البنية الجمالية في سيناريو الفيلم التسجيلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

البنية الجمالية في سيناريو الفيلم التسجيلي

مُساهمة  حدودي السما في الأربعاء أبريل 18, 2012 7:16 am

احمد ثامر جهاد
لزمن طويل كانت هنالك ، فضلا عن عناصر الالتقاء ، نقاط افتراق بين الفيلم الروائي والتسجيلي، فبينما يميل الأول إلى خلق وحدة خيالية متكاملة للموضوع الذي يعالجه بإمكانيات غير محدودة ، يسعى الآخر إلى المراهنة على التأثير الملموس الذي تنتجه إعادة تصوير الواقع بحزمة ضوء منضبطة من دون أن يعني ذلك أن أمام الفيلم التسجيلي فرصا ضعيفة لان يكون إنجاز ا فنيا مبتكرا وموهوبا في تناوله لفكرة ما أو موضوع محدد .
من المعروف إن نقاط الافتراق التي أشرتها الأدبيات النقدية السينمائية تكمن تحديدا في طبيعة البنية الفنية التي يرتكز عليها كلا النموذجين ( الروائي والتسجيلي ) خارج التفسيرات المبالغة التي ترى في الفيلم التسجيلي نوعا سينمائيا أدنى مرتبة واقل جاذبية للمتفرجين من باقي الأنواع السينمائية الأخرى . فهذا التصور يتناسى إلى حد كبير أن المقدرة على خلق شكل فني ناجح لا يتوفر على امتياز هذا النوع الفني أو ذاك ، ولا يؤمن بالكيفية التي تتساوى في ضوئها العبقرية الخلاقة المنتجة لقصيدة شعرية مع نظيرتها المنتجة لعمل روائي جبار أو لوحة باهرة الجمال . من هنا نرى كيف أن النوعين السينمائيين تجاوزا تعارضاتهما وانتجا مقترباتهما ، عبر التطور الهائل الذي أتى على كل أشكال الصناعة السينمائية وديمومة تجدد وسائلها فانتج نماذجه السينمائية المتميزة . لقد انداحت اليوم الحدود الفاصلة اجناسيا وجماليا بين مختلف الأنواع السينمائية من ناحية وبينها وباقي الإبداعات الأدبية والفنية من ناحية أخرى ، وذلك تحت تأثير التداخل الحاصل بين كل هذه الأنواع سعيا وراء شكل فني بليغ ، يعبر اكثر من سواه عن أزمة الحياة الإنسانية بسعتها وتنوعها ، ويقترب اكثر من لغة عالمنا المعاصر بكل ما ينتجه من مفاهيم ورؤى ، تتكلم ذاتها في خطاب إبداعي جمالي يمتلك مصداقيته وفرادته وبراهينه على محنة الإنسان والعالم وسعادتهما المنشودة . ولا حاجة بنا لان نبرهن أن في الفيلم الروائي اليوم قدرا من الصنعة التسجيلية أو بالعكس ، مثلما نجد في الرواية أو القصيدة بنية سينمائية ناجزة والعكس صحيح أيضا . يحدث هذا وفقا لطبيعة نظام اللغة الذي يجعل الصور والكلمات نصا فنيا قائما بذاته هو حصيلة إعمال الخيال والواقع معا ، سيما أن المادة الخام لمجمل إبداعنا هي ضفاف حياتنا الواقعية أو المتخيلة ، يعاد تمثلها وصياغتها في شكل أدبي أو فني محدد لتعطي التأثير المطلوب .
الفيلم التسجيلي أو دراما الحياة الواقعية :

بالرغم من أن الأفلام التسجيلية قد لا تتضمن تسلسلا منطقيا للأحداث المعروضة وتخلو من عناصر الترغيب والتشويق كما أنها تنتقي من الواقع ما يناسبها ، إلا أنها تستطيع في الوقت نفسه إنشاء دراما حقيقية نابعة من الحياة ذاتها . وذلك إذا ما توفرت على قدر من الحرفية والجمالية في تناول الموضوع والعناية بنواحي الفكرة المعروضة التي تتطلب وضوحا فيما يرمي المخرج إلى تحقيقه . إذ يمكن لصانع الفيلم التسجيلي تجاوز فكرة إن عمله يعد تقريرا مكتوبا بلغة الكاميرا عن واقع يصعب ملاحظة قيمته الجمالية من دون اقتطاعه وابرازه في شكل فني محدد ، أو انه مجرد سياق فيلمي يسرف في مناصرة الفكرة التي يعرضها على الشاشة . سيتاح للمشروع التسجيلي الموهوب تخطي ذلك إذا ما تيقن بذاته أن أي واقع معطى لا يحدد للفنان أسلوب المعالجة الذي عليه اختياره لبناء سينما خلاقة . وان التجارب السينمائية الحديثة اليوم أثرت هذا النوع الفني وحطمت الانطباع القائل أن السينما التسجيلية في الغالب ، هي سينما ذات نوايا حسنة تهدف إلى تحقيق منفعة عامة أو إنتاج قدر من الثقافة التعليمية أو الأخبارية أو الأيدلوجية ، باعتبارها تقدم أفلاما قصيرة تخلو من قدرة الخيال الذي يكسبها صفة تشكيل الدلالات الفنية والفكرية ذات السحر البليغ .
يضع المخرج التسجيلي كاميراته بمواجهة الحدث الواقعي ويحاول التمرس على براعة السينما في تحويل ما هو مألوف إلى عنصر إبهار ومدعاة تفكير ونظر . وسيكون بوسعه إنجاز عمله السينمائي التسجيلي عبر مزج الصور الواقعية المختلفة بأسلوب يجترح العلائق بين وحدات لا متجانسة ، وحدات تنتمي إلى أنظمة متباينة ، ويمكن إعادة صياغتها ووضعها في سياق جديد هو السياق الفيلمي بتعبير يوري لوتمان . حينئذ يستطيع المخرج تغيير المعنى المعطى بداهة في الصورة الواقعية للحياة ، ويلزمه هنا وضع حصيلة أحداثه المصورة في سياق جمالي وفكري ينفتح على غير المتوقع وان كانت مادته الأساس مستلة من خامة التقريرية والمباشرة التي تطوق الواقع اليومي للبشر وتطغى على سواها . وعلينا أن لا ننسى القول بأن السيناريو نقطة توحيد بين الروائي والتسجيلي ، في حال التزام التسجيلي بانتقالات السيناريو المكتوب حتى نهاية العمل المنظوم بسياق فكري وبناء جمالي معين .
ستكون فرص الإبداع التسجيلي متعددة وكبيرة حتى وان تخطى الفيلم المزمع إنتاجه القواعد والمعايير التي حددها له كبار التسجيليين في العالم كجريرسون وفلاهرتي وبازيل رايت واخرين ، معتمدا النظرة المتأملة والمتأنية في اختيار مادته وأسلوبه من ثراء الحياة الواقعية في استجابة ذكية لفهم المخرج وقدرة اشتغالاته والإمكانات التي تتاح أمامه لصناعة شريطه السينمائي .
• مجاورة الوقائع أو اكتشاف السياق :
خيارات الفيلم التسجيلي واسعة بسعة الحياة ذاتها ، فقد ينتج عن توظيف عناصر الحركة والبيئة والسلوك الروتيني للشخصية صورة مؤثرة ترمز إلى شكل من أشكال الحياة ، وربما تخفق أيضا إذا فقدت ناظمها السياقي لتكون مجرد تراكم انتقالات مشهدية غير محسوبة . الأمر الذي يعيدنا إلى التذكير بأن بنية الفيلم التسجيلي تكمن في السياق المقترح لتوحيد العناصر المتضادة في بنية مترابطة ذات أبعاد جمالية دالة ، فالسينما في نهاية الأمر تكنيك جمالي ودلالي محض .
سنرى هنا إن عملا تسجيليا يسعى إلى أن يكون إيقاعيا ومبتكرا سيحيد عن اختيار الطرق السهلة التي تجره إلى منطقة النسخ الفوتوغرافي لمجريات الواقع ، بل أن إبداعه الحقيقي سيكون موصوفا بشاعريته الذاتية وبإيقاعه البصري وقوة موضوعه الخاص . يتطلب هذا العمل فيما يتطلب قدرا كبيرا من الصبر والترقب الحذر والتنبؤ الفني والقدرة على اصطياد الجوهري في حركة الحياة داخل سياق تراكم الصور والمشاهد والقضايا اليومية المألوفة . وبالنظر إلى هذه الضرورات العملية والفنية تميل الأفلام التسجيلية إلى تهجين عملها بعناصر مختلفة الأصول بشكل يخدم مادتها المصورة والوثائقية ويمنحها فرصة تحريك العنصر الواقعي وترتيبه بقصدية معينة تخدم الهدف الذي تتطلع إلى تحقيقه في مضامينها ، خاصة في حال توفر نص الفيلم التسجيلي على بضعة شخصيات تتسم بفرادة دلالية تشير باقتدار إلى فكرة الفيلم المحورية ، لتكون ابعد من كونها مجرد رسالة في سياق استخدامها التسجيلي ، بل رمزا سينمائيا يخضع لخيارات التأويل الذهني للصورة أو مضاعفة تأثيرها العاطفي .
ولكن في إطار حديثنا هذا ، هل يفقد الفيلم التسجيلي صفته وامتيازه البنيوي الأساس ، إذا ما اتسم بأناقة متماسكة هي خاصية الفيلم الروائي غالبا ؟
بالطبع ليس ثمة فروض راسخة أو ثابتة يمكن اعتمادها دائما كحدود مقدسة لهذا النوع من الأفلام التي تمرر درسها الجمالي للمتلقي من دون الحاجة لاستخدام الماكياج والتزويقات الإضافية ، إنما ببلاغة صورتها التي تبدو مرهونة على الدوام بقدرتها على استيعاب العالم من حولها واعادة تشكيله تحت سحر آلة التصوير السينمائي ، يمكنها حينئذ إنجاز المزيد غير المسبوق .

حدودي السما
عضو

عدد المساهمات : 183
تاريخ التسجيل : 19/05/2010
العمر : 41

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى