سيناريو سوناتا الخريف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سيناريو سوناتا الخريف

مُساهمة  يحيى في السبت أكتوبر 31, 2009 3:38 pm

سينما سيناريو سوناتا الخريف
انجمار برجمان

ترجمة: مها لطفي


--------------------------------------------------------------------------------




فيكتور: اقف احيانا انظر إلى زوجتي دون أن تدري بوجودي. انها مغرمة بالجلوس هناك عند شباك الزاوية. في هذه اللحظة اعتقد انها تكتب رسالة لوالدتها. عندما دخلت تلك الغرفة للمرة الأولى قالت, «آه, ما أروعها. اشعر هنا وكأننى في منزلي.؛ كنا قد تعارفنا منذ بضعة أيام فقط, كان هنالك مؤتمر للأساقفة في تروندهايم, وكانت هي هناك تمثل صحيفة كنسية أو اخرى. تقابلنا اثناء تناول الغداء, واخبرتها عن الابرشية هنا. كانت مهتمة جدا بالموضوع لدرجة انني غامرت واقترحت عليها الحضور ذات صباح عندما ينتهى المؤتمر, واثناء الطريق سألتها إن كانت توافق على الزواج منى. لم تجبني, ولكن عندما دخلنا إلى الغرفة استدارت نحوي وقالت: «آه, ما أروعها. اشعر هنا وكأننى في منزلي.» منذ ذلك الحين عشنا حياة هادئة سعيدة في هذه الأبرشيّة. اخبرتني ايضا بالطبع عن حياتها السابقة. بعد ان تخرجت في المدرسة الثانوية التحقت بإحدى الكليات وخطبت إلى أحد الأطباء, وعاشت معه بضع سنوات, كتبت كتابين صغيرين ثم سقطت مريضة بالسل, وفسخت الخطبة وانتقلت من اوسلو إلى بلدة صغيرة في جنوب النرويج حيث بدأت العمل كصحفية. (اخذ يقلب صفحات كتاب صغير) هذا اول كتاب لها. احبه كثيرا . هذا ماكتبته «على الانسان ان يتعلم كيف يعيش, انني اتمرن يوميا على ذلك. اكبر العقبات التي تصادفني هى عدم معرفتى من أنا, اتلمس طريقى كالعمياء. لو كان هنالك من يحبنى كما أنا, لتجاسرت اخيرا ونظرت إلى نفسي .؛ (يتوقف عن القراءة) احب ان اقول لها, ولو مرة واحدة, انها محبوبة من كل القلب, ولكنني لا املك الطريقة التي اقول لها ذلك, فتصدقني. لااستطيع ان اجد الكلمات المناسبة.

(1)

ايفا: كتبت رسالة لوالدتى. هل اقرأها لك أم انني اقطع خلوتك?

فيكتور: كلا, كلا, تعالى واجلسى . نحن بحاجة لبعض الضوء. لقد حل الخريف كما يبدو من ق ص ر الأيام. سوف اقفل الراديو; انها احدى حفلات بعد الظهر الموسيقية.

إيفا: إذا كنت تريد الاستماع إليها حتى النهاية فسوف اعود لاحقا .

فيكتور: افضل ان تقرأى لي الرسالة.

ايفا: (تقرأ) «كنت البارحة في البلدة وصادفت أجنيس التي كانت في زيارة قصيرة لأهلها مصطحبة زوجها واولادها. اخبرتني عن موت ليوناردو. يا امي الصغيرة العزيزة. اعلم كم كانت الصدمة شديدة عليك. وقد اخبرتني اجنيس انك كنت في اسكونيا في زيارة قصيرة بين جولتين من الحفلات الموسيقية. اتصلت ببول واخذت العنوان منه. (تتوقف): اتساءل ما اذا كان يهمك أن تأتى لزيارتنا في بندال لبضعة ايام أو اسابيع حسبما تستطيعين أو ترغبين. وحتى لا ينتابك الخوف وتبادري إلى الرفض, اريد أن اخبرك بأن الابرشية واسعة جدا . وستكون لك غرفتك الخاصة المستقلة تماما وبها كافة الخدمات. لقد بدأ الخريف فعليا هنا, مر ت علينا ليلتان من الصقيع; شجر البتول يتحول إلى اللونين الأصفر والأحمر; نحن نقطف أواخر ثمرات الفراولة المعر شة فوق المياه الضحلة. وبما ان الرياح الهوجاء لم تعصف بنا بعد, فما زالت امامنا ايام عديدة صافية ولطيفة. لدينا بيانو رائع مميز , ويمكنك التمرن عليه قدر ما ترغبين. الا يسعدك ألا تضطرى للمكوث في احد الفنادق لبضعة اسابيع? امي يا اعز الناس, قولي إنك ستأتين. سوف نجعل من مجيئك تظاهرة حب فندللك بكل الوسائل المستطاعة. لقد مر ت عصور منذ ان تقابلنا لآخر مرة. منذ سبع سنوات في اكتوبر! حبا كثيرا من فيكتور وابنتك ايفا.

(2)

تصل شارلوت باكرا أكثر مما توقعنا. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا عندما توقفت عربتها امام الابرشية الممتدة الصفراء. تقف ايفا في منتصف درجات السل م. تختبئ خلف النافذة تراقب والدتها فيما هي تخرج ببطء من السيارة وتقف مترددة امام صندوقها (لحظة جمود).

ايفا: (امام المنزل), امي حبيبتي! اهلا بك! آه. كم انا سعيدة لحضورك, اكاد لا اصدق هذا! سوف تمكثين لفترة طويلة اليس كذلك? يا الهى ما اثقل هذه الحقائب! هل احضرت كل نوتاتك الموسيقية? يا للروعة! باستطاعتك الآن إعطائي بعض الدروس. سوف تفعلين اليس كذلك? آه انك تبدين تعبة! ولكن لا غرابة في ذلك بعد هذه الرحلة الطويلة بالسيارة. فيكتور غير موجود الآن في المنزل, لم نعتقد انك ستأتين مبكرا.

(3)

شارلوت: جلست مع ليناردو نهار وليل البارحة. كان يعانى الما مبرحا بالرغم من اعطائه الحقن كل نصف ساعة. كان يبكى بين الفينة والأخرى. لم يكن خائفا من الموت ولكنه كان يبكى من الألم.

زحف النهار ببطء شديد.. خارج المستشفى تقوم أعمال بناء فيسمع ضجيج الثقب والطرق والقعقعة. تنص ب الشمس متوهجة ولا ستارة أو مظل ة. كان المسكين ليوناردو محرجا جدا بسبب رائحته الكريهة. حاولنا ان نحصل على غرفة اخرى ولكن اجنحة عديدة كانت مغلقة للتصليحات. في المساء تتوقف الأصوات المحيطة بالبناء, وعندما تغرب الشمس استطيع ان افتح النافذة. كانت الحرارة في الخارج بمثابة جدار يغلف المبنى, لم يكن هنالك نسمة هواء. دخل البروفيسور وهو صديق قديم لليوناردو. جلس على الكرسى عند رأس السرير وأخبر ليوناردو بأنه لن يمر وقت طويل قبل أن يبدأ بإعطائه حقنة كل نصف ساعة كى يموت بلا ألم. ضرب البروفيسور بيده على خده معلقا انه ذاهب ذلك المساء الى حفلة موسيقية لبرامز, وسوف يعود اليه بعد ذلك. سأله ليوناردو عن المقطوعات التي ستعزف, وعندما سمع انه الكونشرتو المزدوج لشنايدرهان وستاركر طلب من البروفيسور ان يخبر جانوس بأنه يريد اعطاءه التشيللو «الكولترمان» الخاص به, وانه كان يفكر بهذا الموضوع منذ بعض الوقت. غادر البروفيسور بعد ذلك, ودخلت ممرضة الجناح إلى الغرفة واعطت ليوناردو حقنة. اعتقدت انني يجب ان اتناول شيئا من الطعام ولكنني لم اكن جائعة. شعرت بغثيان بسبب الرائحة. رقد ليوناردو بضع دقائق, ثم استيقظ وطلب منى مغادرة الغرفة وقرع الجرس يطلب ممرضة الليل. جاءته فورا بحقنة أخرى. بعد دقيقة أو اثنتين جاءت إلى في الممر وقالت أن ليوناردو قد مات. جلست مع ه طوال الليل (توق ف ت عن الكلام) ظللت افكر في ليوناردو و بأن صداقتنا استمرت ثمانية عشر عاما , واننا عشنا معا ثلاثة عشر منها, واننا لم نتبادل اية كلمة غضبي. لعامين من الزمن كان يعرف انه سيموت وانه لا أمل يرجى في النجاة. كنت اذهب لأراه كلما سنحت لي الفرصة في فيلته خارج نابولى. كان لطيفا وحساسا يسعد لنجاحي. كان بالكاد يذكر مرضه, ولم اكن لأحب أن اسأل - فقد كان ذلك يتعسه. في أحد الأيام نظر إلى طويلا ثم ضحك وقال: في مثل هذا الوقت من العام القادم أكون قد رحلت, ولكنى سأبقى معك كما اعتدنا, سوف أفكر بك دائما . كان ماقاله عذبا جدا ولكنه تكل م بأسلوب مسرحي (تتوقف) لا أستطيع القول انني احمل معى الحزن انى ذهبت. موت ليوناردو كان متوقعا ومطلوبا . آه حتما ترك فراغا , ولكن ليس مستحبا ان يمز ق الأنسان نفسه. (تضحك) هل تعتقدين انني تغيرت كثيرا خلال هذه السنوات السبع التي لم نلتق فيها? حسنا , انا اصبغ شعري كما ترين - ليوناردو لم يكن يحب أن يراني بشعر رمادي - ماعدا ذلك انا كما كنت دائما , الا تعتقدين ذلك? أشتريت هذا الثوب من زيوريخ, اردت أن احصل على شيء مريح يناسب رحلة السيارة الطويلة. رأيته في نافذة احد المحلات في شارع بان هوف. دخلت وجربته ووجدته مناسبا تماما وكان رخيصا جدا . ألا تعتقدين انه لطيف?

ايفا: نعم يا أمي الحبيبة, لطيف جدا .

شارلوت:حسنا , على ان أفرغ حقائبي. ساعديني في هذه الحقيبة, ايتها العزيزة. انها ثقيلة للغاية, وظهري يؤلمني جدا نتيجة هذه الرحلة. هل تعتقدين انه باستطاعتنا الحصول على لوح من الخشب نضعه تحت المرتبة? يجب أن يكون سريري قاسيا كما تعلمين.

ايفا: هنالك فعلا لوح تحت المرتبة وضعناه البارحة.

شارلوت: رائع. (تراجع نفسها) ايفا, عزيزتى, ماذا هنالك?

انك تبكين, كلا, دعيني أرى. ماذا هنالك? يا حملي الوديع أنك مضطربة.هل قلت لك شيئا سخيفا ? انت تعلمين كيف ادير الحديث.

ايفا: انني ابكى لفرط سعادتي برؤياك.

شارلوت: عانقيني بشدة مثلما كنت تفعلين وانت صغيرة. لم أفعل سوى التحدث عن نفسي. الآن حدثيني أنت عنك. دعيني انظر اليك, يا عزيزتي ايفا.كم ر ق عودك خلال السنوات الأخيرة هذه, استطيع ان ارى ذلك الآن. انت لست سعيدة ايضا . يجب أن تخبرينى بما لديك. تعالى,دعينا نجلس هنا. هل تمانعين إذا ما أخذت سيجارة? فقط أخبريني كيف تسير الأمور يا عزيزتي ايفا?

ايفا: حسنا , لايمكن ان تكون افضل.

شارلوت: الا تعيشين حياة منعزلة?

ايفا: لدينا عملنا في الأبرشية, فيكتور وانا.

شارلوت: نعم, حتما .

ايفا: كثيرا ما اعزف في الكنيسة. الشهر الفائت اقمت امسية موسيقية كاملة. عزفت وتكلمت عن مقطوعة موسيقية. كانت الحفلة ناجحة جدا .

شارلوت: لا تنسى ان تعزفي لي, إن كنت ترغبين في ذلك.

ايفا: احب ذلك كثيرا .

شارلوت: اقمت خمس حفلات موسيقية مدرسية في لوس انجلوس في قاعة الموسيقى المخصصة لذلك. ثلاثة آلاف طفل في كل مرة. عزفت وتكلمت معهم. لن يمكنك ان تتخيلي مقدار النجاح. ولكنه كان متعبا .

ايفا: أماه, هنالك ما أريد البوح لك به.

شارلوت: نعم?

ايفا: هيلينا موجودة هنا. (تتوقف )

شارلوت: (غاضبة) كان عليك أن تكتبي لي بوجودها هنا. ليس من العدل أن تتركينى اجابه أمرا واقعا .

ايفا: لو انني أخبرتك انها تسكن هنا لما حضرت إلينا.

شارلوت: أنا متأكدة انني كنت سأحضر على اية حال.

ايفا: وانا متأكدة انك لم تكونى لتفعلي!

شارلوت: الا يكفي موت ليوناردو? هل كان عليك أيضا ان تجر ي لينا المسكينة إلى هنا?

ايفا: لينا تسكن هنا منذ عامين. كتبت لك انني وفيكتور قررنا ان نسألها إن كانت ترغب في العيش معنا. كتبت لك.

شارلوت: لم أستلم الرسالة مطلقا .

ايفا: او انك لم تعبأي بقراءتها.

شارلوت: (تهدأ فجأة) الا تعتقدين انك تظلمينني ?

ايفا: نعم.

شارلوت: لست مستعدة لرؤيتها. على أي حال ليس اليوم.

ايفا: امي العزيزة, لينا انسانة رائعة. إنها فقط تعاني من صعوبة في النطق. لكنني تعلمت ان افهم ما تقوله.استطيع ان اتواجد لأترجم.انها مشتاقة جدا لرؤيتك.

شارلوت: يا عزيزتي, كانت الأمور تبدو أنسب لها في منزل الرعاية ذاك.

ايفا: ولكنني افتقدتها.

شارلوت: هل انت متأكدة انه من الأفضل لها الإقامة معك هنا?

ايفا: نعم. وانا اجد من اعتني به.

شارلوت: هل ساءت حالتها عن ذي قبل? أعنى هل هي....? هل هي....? اعني, اسوأ?

ايفا: آه نعم, انها اسوأ. ان هذا جزء من المرض.

شارلوت: تعالي اذا, دعينا نذهب إليها لنراها.

ايفا: هل انت واثقة من رغبتك في ذلك?

شارلوت: (تبتسم) اعتقد ان الامر مزعج, ولكنني لا املك خيارا .

ايفا: أماه.

شارلوت: لم استطع في الواقع ان اتعايش مع الناس الذين لا يدركون دوافعهم.

ايفا: هل تعنيني انا بذلك?

شارلوت: إذا كان الحال مطابقا ... لنذهب.

(4)

شارلوت: حبيبتى لينا! سوف اعانقك واقبلك. سوف آخذ ذراعيك هكذا واضعهما على كتفى. لطالما فكرت بك, كل يوم.

(تقول هيلينا شيئا )

ايفا: تقول هيلينا ان حلقها ملتهب نتيجة البرد ولاتريد ان تنقل اليك العدوى.

شارلوت: (تقبلها ثانية) آه, لم اخش الجراثيم يوما , لقد مر عشرون عاما منذ ان اصبت بالبرد آخر مرة. ما اجمل حجرتك. وياله من منظر! انه نفس المنظر الذي اشاهده من غرفتي.

ايفا: تقول لي لينا ان انزع نظارتها لكي تشاهديها بشكل أفضل.

شارلوت: استطيع ان ارى جيدا

(هيلينا تقول شيئا )

ايفا: تريدك أن تأخذي رأسها بين يديك وتنظري اليها.

شارلوت: هكذا?

هيلينا: نعم.

شارلوت: انا سعيدة جدا لاهتمام ايفا بك. لم تكن لدي اية فكرة. ظننت انك مازلت في ذلك البيت. فكرت ان احضر لأراك قبل أن اغادر. ولكن من الأفضل كثيرا هكذا, الا تعتقدين ذلك?

هيلينا: نعم.

شارلوت: نستطيع الآن أن نبقى معا كل يوم.

هيلينا: (بسعادة) نعم.

شارلوت: هل تتألمين?

هيلينا: كلا .

شارلوت: ما أجمل تسريحة شعرك.

(تقول هيلينا شيئا )

ايفا: انه على شرفك, يا أمي.

شارلوت: انني اقرأ كتابا ممتازا عن الثورة الفرنسية. مارأيك ان أقرأ لك بصوت مرتفع? يمكننا أن نجلس على الشرفة معا وأنا اقرأ لك. هل تحبين ذلك?

هيلينا: نعم.

شارلوت: ويمكننا ان نذهب في نزهة بالسيارة. وأنا لم يسبق لي أن زرت هذه الانحاء قبلا .

هيلينا: نعم.

شارلوت: لقد فكرت بك كثيرا .

(تقول هيلينا شيئا ثم تضحك)

شارلوت: ماذا قالت?

ايفا: تقول لينا انك لا ريب متعبة جدا ولا يجدر بك ان تبذلي مجهودا اضافيا اليوم. تعتقد انك قمت بعمل جيد.

شارلوت: هل تملك لينا ساعة?

ايفا: نعم تملك ساعة بجانب السرير.

شارلوت: إليك يا لينا ساعة معصمي , خذيها. لقد اعطاني اياها احد المعجبين الذي كان يعتقد انني اتأخر دائما. هل ستتناول لينا العشاء معنا?

ايفا: كلا, فأنا عادة اعطيها الوجبة الرئيسية في منتصف النهار. انها تتبع نظاما غذائيا خاصا على أية حال . لقد اكلت كثيرا في المستشفى.

(هيلينا تقول شيئا )

ايفا: لينا تقول ان...

شارلوت: انتظري! اعرف ما ارادت لينا قوله: هنالك فراشة في الشباك! اليس هذا صحيحا ?

(5)

شارلوت(لوحدها): لماذا اشعر وكأن حرارتى مرتفعة? لماذا اشعر برغبة في البكاء? اية حماقة بلهاء. على أن اشعر بالعار, هذه هي الفكرة. ثم يلي ذلك تأنيب الضمير. دائما, دائما ضمير مذنب! هرولت بسرعة لأصل إلى هنا. ماذا كنت اتخي ل? ما الذي كنت اتوق اليه بلهفة شديدة, رغم انني لم أكن لأعترف بذلك لنفسي? سوف اغتسل ثم انام برهة من الزمن, او على الأقل امدد جسدي واغلق عين ي. ثم ارتدي شيئا لطيفا للعشاء يجبر ايفا على الاعتراف بأن والدتها الكبيرة في السن ما زالت محتفظة ببهائها. لن يفيدني البكاء, تجاوزت الساعة الرابعة الآن. يا للعنة! كانت تجلس هناك تحملق بعينيها الواسعتين. اخذت وجهها بين يد ي واحسست بالمرض ينتفض في عضلات بلعومها الواهنة. اللعنة, عندما افكر بأننى لا استطيع رفعها إلى سريري لتهدئة خاطرها كما كنت افعل عندما كانت في الثالثة من عمرها. ذلك الجسد الناعم الممزق, ذلك هو جسد لينا حبيبتي! لا تبكي الآن, بحق المسيح. لقد تجاوزت الساعة الرابعة والربع. سوف اغتسل, مما سينعش تفكيري. سوف اختصر مدة زيارتي. ولكن اربعة ايام لا بأس بها, سيكون بمقدوري أن اتحملها. ثم سوف اذهب إلى افريقيا كما كانت خطتي سابقا . هذا يؤلم. يؤلم. يؤلم. دعني ارى الآن. هل هذا يؤلم بنفس الطريقة التي احسها في الحركة الثانية من سوناتا بارتوك? (تهمهم لنفسها بالنغمة) نعم, الألم نفسه. كنت اعزف تلك الفواصل بسرعة شديدة, طبعا كنت افعل ذلك. علي ان اعزفها على النحو التالي: الضربة العالية بام بام ثم تأتى وخزة ألم صغيرة.ببطء ولكن بلا دموع, لأن الدموع لم يعد لها وجود أو لأنها لم تكن موجودة أصلا . هذا هو الأمر. إذا كان هذا صوابا , فإن زيارتي للأبرشية كانت ذات فائدة في النهاية. سوف ارتدي الآن ثوبى الأحمر كي اغيظ ايفا التي تعتقد انه على أن ارتدي ثوبا مناسبا بعد وفاة ليوناردو التي لم يمر عليها زمن طويل بعد. ليس هناك ما يعيب جسدي على أي حال. قد لا يكون رائعا ولكنه جسد مقبول ولطيف. عندما اصل إلى افريقيا سوف......... او لنفترض انني سوف اذهب إلى كريت لرؤية هارولد? (تضحك) بالرغم من ان الأستاذ هارولد خنزير إلا أنه طباخ جيد ويعرف كيف يعيش. سوف اتصل به هذا المساء, هذا ما سأفعله. سوف يريحني هذا بعد أربع ساعات من التظاهر بالتقوى. (فجأة) لماذا انا بهذه القسوة? انا غاضبة طوال الوقت. ايفا تظهر لي كل الحب والسعادة لاستضافتي هنا. فضلا عن ذلك فإن فيكتور انسان راق وانه لمن حسن حظ ايفا, «الطفلة الباكية؛, ان يكون لديها مثل هذا الزوج الطيب. أنا اراهن ان الدوش لا يعمل. حسنا, أنا لا اعلم! انه يعمل!

(6)

ايفا: هذه الأم المم يزة لا استطيع ان افهمها! كان عليك ان ترى وجهها عندما اخبرتها ان لينا تسكن معنا. كان عليك ان ترى ابتسامتها. تخيل انها استطاعت ان ترسم ابتسامة رغم مفاجأتها وانزعاجها. ثم بعد ذلك عندما وقفنا خارج باب غرفة لينا: ممثلة قبل دخولها, خائفة جدا ولكنها متمالكة لنفسها. كان الاداء رائعا . هل تعتقد أن والدتى بلا قلب كليا ?

لماذا جاءت اذن بحق السماء? ماذا توقعت من لقاء بعد سبع سنوات? ماذا توقعت وماذا توقعت انا? ألا يفقد الأنسان الأمل?

فيكتور: لا اعتقد ذلك.

ايفا: لا يتوقف الانسان عن كونه أما وابنة?

فيكتور: البعض يفعل كما اعتقد.

ايفا: انه مثل شبح ثقيل يسقط فجأة فوقك عندما تفتح باب الحضانة, بعد أن تكون قد نسيت منذ زمن طويل انه باب حضانة. هل تعتقد انني قد نضجت?

فيكتور: لا أعرف ما تعنين بانك نضجت.

ايفا: وانا لا اعرف ايضا .

فيكتور: أن ينضج الانسان هو ان يستطيع التأقلم مع احلامه وآماله. ان يتلاشى التوق.

ايفا: هل تعتقد ذلك?

فيكتور: ربما يتوقف الانسان عن الاندهاش.

ايفا: كم يبدو عليك التعق ل وانت تجلس هناك تضع غليونك القديم في فمك, انت ناضج جدا , انا واثقة.

فيكتور: لا اعتقد انني كذلك. فأنا تأخذني المفاجأة كل يوم.

ايفا: مم ?

فيكتور: منك مثلا . بالإضافة إلى ذلك فلدي احلام وآمال في منتهى اللاعقلانية, ونوع من التوق ايضا , فضلا عن ذلك.

ايفا: التوق?

فيكتور: التوق اليك.

ايفا: هذه كلمات جميلة جدا اليست كذلك? اعنى كلمات لا معنى حقيقى لها. لقد ر بيت على الكلمات الجميلة. كلمة «الألم» مثلا . والدتي لا تغضب ولا يخيب املها أو تصاب بالكآبة ابدا , انها «تتآلم». لديك كلمات اخرى كثيرة على هذه الشاكلة. بالنسبة لك على ما اعتقد, فإنه نوع من المرض الوظيفي. عندما تقول انك تتوق لي بينما انا اقف هنا امامك, ابدأ بالإرتياب.

فيكتور: تعرفين جيدا ما اعني.

ايفا: كلا. لو كنت اعرف لما كان ليخطر في بالك مطلقا أن تقول إنك تتوق لي.

فيكتور: (مبتسما) هذا صحيح.

ايفا: وهذا يظهر أننى اماثلك حكمة أو ربما اكثر حكمة منك. حسنا يجب أن اذهب إلى المطبخ لاتفق د الروستو البقرى. لقد كانت والدتى تعتقد دائما انني طباخة رديئة. انها نهمة جدا . لقد سمعتها احدى المرات تقضي امسية بكاملها تناقش متعه د حفلاتها الاميركي في كيفية صنع مرق الطعام. كان الاثنان في حالة من النشوة الخالصة.

فيكتور: اعتقد انك......

ايفا: طباخة رائعة. شكرا يا عزيزي. بالمناسبة, يجب ان لا أنسى ان اجهز قهوة خالية من الكافيين لوالدتى العزيزة. لطالما تساءلت لماذا لا تنام جيدا . اعتقد انني اعرف السبب. لو ان تلك المرأة كانت تنام بشكل طبيعى فإن حيويتها سوف تسحق كل من حولها. إن ارقها هو المنظم الذي تستخدمه الطبيعة لخفض حيويتها إلى نسب مقبولة. (تخرج, وتعود ثانية) إنظر كيف تلبس بعناية لتناول وجبة العشاء. لاحظ التن به الكامل الذي يستهدف التذكير بأنها ارملة وحيدة تعيش في حداد.

(7)

ايفا: أماه, ما اجمل هذه الثوب!

شارلوت: هل تعتقدين انه يلائمنى? لقد ظننت لفترة طويلة انني لا استطيع ارتداء اللون الأحمر, ولكني قابلت في احد الأيام صديقي القديم صموئيل باركنهرست فقال لي : «شارلوت. لقد جئت لتوي من مشاهدة مجموعة ديور الخريفية وكان بينها فستان أحمر رائع وجدت فيه شخصك بالذات». طلبت منه ان يبتاعه لي و... حسنا, انه فعلا يناسبني. انا في غاية الجوع.

ايفا: ارجو ان توافقي. لقد طهوت لك روستو بقري , كنت تحبينه.

شارلوت: رائع. طبخ بيتي بسيط بعد طعام الفنادق.

فيكتور: حسنا , نخب صحتك ياعزيزتي شارلوت. نحن سعداء ان تكوني بيننا. نر حب بك من اعماق قلبنا! ارجو ان تشعري انك في بيتك وان تمكثي لفترة طويلة.

(Cool

شارلوت (بالانكليزية على الهاتف) هالو. آه هذا انت يابول.

حسنا , انك تزعجنا فعلا . نحن نجلس حول المائدة. كلا, نحن نتناول طعام العشاء. حسنا , نحن كذلك. في هذه البلد نتناول العشاء في الخامسة. تكلم رجاء بوضوح اكبر. ان خط الهاتف مشوش. اين انت على اي حال? في نيس! ماذا تفعل في نيس? حاذر أن تضيع مالي في القمار «ماذا تقول (بلهجة رجال الاعمال) نعم فعلت, ولكن عليهم الا يعتقدوا أنهم سوف يفلتون ببساطة كالمرة السابقة. قل لهم باسمي ان اتعابي ستكون هي نفسها, بالإضافة إلى حصتك وتكاليف السفر. فضلا عن ذلك, عليهم ان يدفعوا مصاريفي. هذا يكلفني ما فوقي وما تحتي. لقد انهرت تماما عمليا ... إلى جانب ذلك يجب ان ينظموا التدريبات لتكون اكثر ملاءمة (تنظر في دفتر مواعيدها) سوف آتي من ميونيخ, يجب أن يتدربوا يومي السبت والاحد صباحا اذا اص ر فارفيزيو على تجربتين. لا اريد ان أحشر وامز ق نفسي, المواصلات سيئة للغاية وعلي أن امضي النهار بطوله جالسة في المطارات. انتظر, يجب ان احضر نظارتي. بحق الشيطان اين وضعتها? ايفا, ارجوك عزيزتى ان تنظرى اذا كنت قد تركت نظارتى على المائدة عند النافذة. شكرا يا عزيزتى ايفا! دعينا نرى... الفتاة المسنة وضعت نظارة على انفها الآن. كلا, يستحيل ذلك. هذه فترة اجازتى, انت تعرف هذا جيدا . كلا هذا لا ينفع, لا يمكن ان احلم بذلك. لقد كتبت هنا, حرة, حرة, حرة. ماهو المبلغ الذي قلت انهم سيدفعونه?

حسنا, علي اللعنة . آه حسنا, إذا كان باستطاعتهم ان يقيموا حفلتهم البائسة يوم الأربعاء فلا مانع لدي وقل لهم بالنيابة عنى ان عليهم ان يجهزوا في المرة القادمة بيت خلاء مناسبا خلف المسرح كيلا اضطر إلى التبول في اناء الزهور. لا يهمني ان يكون القصر من عصر الباروك, ليباركك الله يابول. ثلاثا وثلاثين درجة! اهتم بنفسك ولا تبالغ في الأمور. تذك ر, لم نعد صغارا كما كنا. احبك, انت تعرف ذلك. (تضع الهاتف جانبا ) هذا هو وكيلى, انه لطيف جدا . في هذه الأيام هو صديقي الوحيد في هذا العالم. شكرا لا أريد براندي, ولكنني احب قطرة من الوسكي في المساء لاحقا . دعني اساعدك في تنظيف المائدة.

فيكتور: قلنا اننا سوف نفسدك دلالا .

شارلوت: (تجلس على البيانو) يالها من آلة قديمة جميلة, وياله من جرس رائع, وقد تم ضبط ايقاعها حديثا ! (تعزف قليلا ) الآن انا فعلا في مزاج نفسي جيد. ما كان على ان اضطرب.

ايفا: ماذا تعنين يا اماه?

شارلوت (والدموع في عينيها) حسنا , ماذا تظنين يا ابنتى? الاتدركين انني شعرت بالقلق لفكرة رؤيتكم بعد سبع سنوات? لقد تجمدت خوفا ولم يغمض لي جفن طوال الليل. دعينى اخبرك انني كدت ان اهتف لكم هذا الصباح بأنني لن استطيع الحضور.

ايفا: لماذا, يا اماه!

شارلوت: ه ل تعتقدين انني مصنوعة من صو ان? قطعتين من السكر, ارجوك. هذه القهوة الخالية من الكافيين مملة جدا , ولكن ماذا افعل عندما لا استطيع النوم? ارى انك تتدربين على افتتاحيات شوبان (preludes) الا تعزفين بعضا منها?

ايفا: ليس الآن يا أماه.

شارلوت: ايفا, لا تتصرفي كالأطفال تسعديننى كثيرا لو عزفت لي.

فيكتور: عزيزتي ايفا, اول البارحة فقط قلت انك تأملين ان تستمع والدتك اليك. أنسيت?

ايفا: حسنا, إذا اصررت على ذلك. ولكنني بعيدة عن... اعنى كله تلفيقا, لا املك التكنيك.لقد تجاهلت وضع الأصابع في هذا الجزء. إن هذا متقد م عن مستواي.

شارلوت: حبيبتي! لا مزيد من الأعذار. تعالي الآن, اعزفى. (تعزف ايفا بريليود شوبان رقم 2 في دو مينور).

شارلوت: ايفا, يا اعز انسان.

ايفا: هل هذا هو كل ما لديك?

شارلوت: كلا, كلا. ولكني تأثرت للغاية.

ايفا: (مشرقة) هل احببته?

شارلوت: أحببتك انت.

ايفا: لا ادري ماتعنين.

شارلوت: الا تعزفين واحدة أخرى? طالما نحن الآن في جو لطيف حميم?

ايفا: أريد أن اعرف ما الخطأ الذي اقترفته.

شارلوت: لم تخطئي بتاتا .

ايفا: ولكنك لم تبد اى اهتمام بالطريقة التي عزفت بها هذه «البريليود» بالذات.

شارلوت: كل منا يملك تفسيره الخاص.

ايفا: نعم. بالضبط. والآن اريد ان اعرف تفسيرك انت.

شارلوت: ما فائدة ذلك?

ايفا: (بعدائية) لأننى انا اسألك.

شارلوت: انت الآن غاضبة.

ايفا: أنا مضطربة لأنك كما هو واضح لا تكترثين بإبداء رأيك في هذه البريليود.

شارلوت: حسنا . ان اصررت. (بهدوء) لندع جانبا الناحية التكنيكية البحتة والتي لم تكن سيئة مطلقا , مع انه بامكانك بذل مزيد من الاهتمام بأسلوب كورتوت في استخدام الأصابع - وهذا يساعد في ايصال الايحاء. على اى حال, لندع ذلك جانبا , فسوف نتكلم عن الفكرة الفعلية.

ايفا: حسنا .

شارلوت: شوبان ليس مفرط العاطفية يا ايفا. انه عاطفي ولكن ليس على نحو صبيانى. هنالك هوة كبيرة بين الاحساس والعاطفة المفرطة. البريليود التي عزفتها تفصح عن الم مكبوت, وليس احلاما موسيقية,يجب ان تكونى هادئة, واضحة وقاسية. الحرارة مرتفعة إلى درجة الحمى, ولكن التعبير رجولى ومضبوط. لنأخذ الآن الاسطر الأولى (تعزف لتظهر وجهة نظرها). انها تؤلم ولكنني لا اظهر ذلك. ثم استراحة قصيرة. ولكنها تتبخ ر تقريبا على الفور والألم هو نفسه, لا اكثر ولا اقل. ضبط كامل طوال الوقت. كان شوبان فخورا , ساخرا , مشبوب العاطفة, معذبا , غاضبا , وشديد الرجولة. وبتعبير آخر, لم يكن امرأة عجوزا عاطفية على نحو صبياني. هذه البريليود الثانية يجب ان تصاغ لتبدو وكأنها قبيحة. لا يجوز بتاتا ان تصبح سارة او مرضية, يجب ان تبدو وكأنها خطأ. يجب أن تقاتلى لتشقي طريقك عبرها وتخرجي منتصرة. هكذا (تعزف كل البريلويد).

ايفا: فهمت.

شارلوت: (اقرب إلى التواضع) لا تغضبى منى يا ايفا.

ايفا: لماذا اغضب? على العكس من ذلك.

شارلوت: لقد عالجت هذه الافتتاحيات الرهيبة لمدة خمسة واربعين عاما من عمري. مازالت تحتوي على الكثير من الاسرار, أشياء لا أفهمها. ولكنني لن استسلم.

ايفا: عندما كنت صغيرة اعجبت بك كثيرا . ثم تعبت منك ومن البيانوهات الخاصة بك لسنوات عديدة. الآن اعتقد انني بدأت اعجب بك مرة ثانية ولو بطريقة مختلفة.

شارلوت: (متهكمة) اذن, هنالك بعض الأمل.

ايفا: (بصرامة) نعم, اعتقد ذلك.

فيكتور: اظن أن تحليل شارلوت مغر, ولكن تفسير ايفا اكثر تأثيرا .

شارلوت: (ضاحكة بسعادة) فيكتور, انت تستحق قبلة على هذه الملاحظة.

فيكتور: (محرجا) اقول فقط ما اعتقده.

(9)

ايفا: احضر إلى القبر هنا كل يوم سبت. إذا كان الطقس معتدلا كهذا المساء, اجلس قليلا على المقعد الخشبى واترك لأفكاري العنان. (تتوقف) غرق ايريك في اليوم الذي يسبق ذكرى ميلاده الرابعة. كانت لدينا بئر في الساحة مقفلة الغطاء بالمسامير, ولكنه استطاع بطريقة ما ان يفتحها ويسقط في البئر. وجدناه على الفور, ولكنه كان قد مات. كان هذا اكثر مما يتحمل فيكتور - كانت هنالك علاقة خاصة بين ايريك ووالده. حزنت كثيرا ظاهريا , ومنذ البداية شعرت في اعماقى انه مازال حي ا واننا كنا نعيش ملتصقين ببعضنا. على أن اركز ولو قليلا فاجده هناك. احيانا , اشعر ما ان يأخذنى النوم أن انفاسه تلامس وجهى ويده تمسك بى. هل تعتقد أن هذا يبدو امرا عصابيا ? ربما استطيع أن اتفه م موقفك. بالنسبة لي هذا أمر طبيعى. انه يعيش حياة اخرى ولكننا يمكن ان نلتقى اية لحظة, لا أح د يفصلنا ولا جدار يستعصى على التسلق. اتساءل بالطبع, احيانا, كيف يبدو - ذلك الواقع حيث يعيش ويتنفس ابنى الصغير. في نفس الوقت اعرف انه مكان لا يمكن وصفه, حيث انه عالم من المشاعر المحرر ة. الأمر اصعب بكثير بالنسبة لفيكتور عما هو بالنسبة لى. يقول انه لم يعد مؤمنا . حيث يترك الاطفال يموتون - يحرقون احياء, يطلق عليهم الرصاص او يموتون جوعا أو يصابون بالجنون. احاول ان أشرح له ان لا فرق بين الاطفال والبالغين لأن البالغين مازالوا اطفالا عليهم أن يعيشوا متخفين كبالغين. الانسان بالنسبة لي عملية خلق هائلة, فكرة لا يمكن ادراكها; وفي الانسان يوجد كل شيء من اعلى مستوى الى ادناه تماما كما في الحياة. والانسان هو صورة الله; وفي الله كل شئ, قوى شاسعة, ثم خلق الشياطين والقديسين والانبياء والظلاميين والفنانين ومحطمي التماثيل الدينية. كل شيء يعيش جنبا إلى جنب, كل واحد يخترق الآخر. انه مثل النموذج الضخم يتغير كل الوقت. هل تعرف ما اعني? بهذه الطريقة لا ريب ان هنالك حقائق لا حصر لها, ليس فقط الحقيقة التي ندركها بأحاسيسنا الظاهرة, ولكن مجموعة متنافرة من الحقائق تتقوس فوق وحول بعضها البعض في الداخل والخارج. إنه محض خوف وتزمت ان نؤمن بأية حدود. ليس هنالك من حدود, لا للافكار ولا للمشاعر. القلق هو الذي يرسم الحدود. الا تعتقد ذلك إيضا ? عندما تعزف الحركة البطيئة لسوناتا بيتهوفن, «هامركلافييه», ستشعر حتما انك تتحرك في عالم بلا تحديدات, داخل حركة هائلة لا تستطيع ان ترى غيرها أو أن تستكشفها. انه الشيء نفسه مع المسيح. لقد فجر القوانين والحدود بأحساس جديد كليا لم يسمع به احد من قبل - المحبة. لا عجب ان كان الناس خائفين وغاضبين, تماما كما يحاولون دوما ان يتسللوا مذعورين عندما تجتاحهم عاطفة كبيرة, رغم انهم يأكلون قلوبهم حزنا على مشاعرهم الذابلة والميتة.

(10)

شارلوت: يذهلنى سماعها وهي تحاول التماسك. انه وضع عصابي للغاية - يتجاوز كل منطق. وكل ماهو مثل هذه الأمور طبعا ! انها تتواصل مع ابنك الصغير, لقد حلت معضلة الكون, هنالك اجوبة لكافة التساؤلات.

فيكتور: (مبتسما ) نعم, نعم.

شارلوت: لا يمكنك تركها تتجول هكذا.

فيكتور: ماذا تعنين?

شارلوت: اعتقد انها كئيبة جدا فعلا , وانها سوف تدرك فجأة في يوم من الأيام كم هي سيئة هذه الأمور فتقدم على عمل يائس.

فيكتور: هل تعتقدين ذلك فعلا ?

شارلوت: نعم اعتقد.

فيكتور: هل هي موجودة مع لينا في الاعلى.

شارلوت: نعم صعدت لتهيئتها للنوم.

فيكتور: لو تجلسين لبرهة من الزمن ياعزيزتي شارلوت فلسوف احاول ان اشرح كيف انظر إلى وضع زوجتي.

شارلوت: حسنا انا جالسة..

فيكتور: عندما طلبت من ايفا ان تتزوجنى قالت بصراحة انها لاتحبنى. سألتها إن كانت تحب شخصا آخر.اجابتنى انها لم تحب احدا يوما , وانها غير قادرة على الحب. (توق ف) عشنا انا وايفا هنا لبضع سنوات. عاشرنا بعضنا بلطف, عملنا بجهد, وسافرنا إلى الخارج خلال اجازاتى. ثم ولد اريك. كن ا قد فقدنا الأمل في ابن من صلبنا وتكلمنا عن فكرة تبني ولد ما.... (توقف) حسنا . لدى حملها مر ت ايفا بتغيرات كاملة. اصبحت مرحة, لطيفة, ومنطلقة. اصبحت كسولة ولم تعد مهتمة بعملها في الابرشية او عزفها على البيانو. اصبحت تستطيع الجلوس في هذا المقعد واضعة قدميها فوق مقعد آخر, تحملق في تلاعب الضوء على الهضبة وأخدود البحر. اصبحنا فجأة سعداء جدا . ارجو السماح لي بالقول اننا اصبحنا سعداء فعليا في السرير. انى اكبر ايفا بعشرين عاما . كنت اشعر ان نسيجا رماديا استقر على الوجود, اذا كنت تدركين ما أعني. شعرت وكأننى استطيع النظر إلى الوراء واقول, حسنا , حسنا , إذا هكذا كانت حياتي, هذا ما تحولت إليه. ولكن فجأة اصبحت الأمور مختلفة, اصبح هنالك بعض... رائعة (يتوقف) اصبح هنالك بعض...... رائعة (يتوقف) ارجوك السماح يا شارلوت ولكن مايزال الأمر صعبا أن... (يتوقف) نعم. امتلكنا سنوات غنية. كان عليك ان ترى ايفا. كان عليك فعلا ان تريها.

شارلوت: اتذكر تلك السنوات عند ولادة اريك. كنت منهمكة في تسجيل كل سوناتات موزارت وكونشرتاته للبيانو. لم يكن لدى يوم خال.

فيكتور: كلا. دعوناك مرة تلو الأخرى ولكن للأسف لم يكن لديك الوقت أبدا .

شارلوت: كلا.

فيكتور: عندما غرق ايريك ازداد النسيج الرمادي رمادية بل اصبح قاتما . بالنسبة لأيفا كان الأمر مختلفا .

شارلوت: مختلفا ? كيف?

فيكتور: مشاعرها بقيت حي ة متأججة, أو هكذا بدت على اي حال. اصبحت سقيمة بارزة العظام ومزاجها غير متوازن. يتملكها فجأة غضب عنيف. ولكنني لا اعتقد انها عصابية أو شاذة. واذا كانت تشعر ان ابنها حي وبجانبها, حسنا , ربما هذا هو الحال. لا تتحدث كثيرا عن الأمر. ارجح انها تخشى ان يعكر الأمر مزاجي كما سيحدث حتما . ولكن ما تقوله يبدو صادقا إلى حد ما. انا اصدقها.

شارلوت: طبعا , فأنت قسيس.

فيكتور: الايمان القليل الذي املكه يعيش بشروطها.

شارلوت: انا آسفة إن كنت قد جرحت شعورك.

فيكتور: هذا لا يهم يا شارلوت. انا مختلف عنك وعن ايفا. انا انسان مشتت وغير واثق... إنها غلطتي.

(11)

شارلوت: اعتقد انني سأتناول جرعة قوية من الحبوب المنومة هذه الليلة. نعم اعتقد انني سأفعل. المكان هنا في غاية الهدوء والسكينة باستثناء صوت الشتاء وهو يلامس السطح. حبتان من الموجادون واثنتان من الفاليوم تفي عادة بالغرض.

ايفا: هل لديك كل ما انت بحاجة ايه?

شارلوت: على افضل وجه. نوع البسكوت المناسب والمياه المعدنية وآلة التسجيل وعدد من الشرائط وروايتان بوليسيتان وسدادات اذن وغطاء للعيون ومخد ة اضافية وبساط سفري الصغير. هل ترغبين في تذو ق شوكولاتتي السويسرية اللذيذة الطازجة من زيوريخ? هناك باستطاعتك اخذ قطعتين.

ايفا: شكرا يا إمي العزيزة. ولكنني لا أهتم بالشوكولاتة.

شارلوت: يا للغرابة. اذكر انك كنت مجنونة بالحلويات عندما كنت طفلة.

ايفا: هيلينا كانت تحب السكاكر. انا لم اكن كذلك.

شارلوت: حسنا , سأحصل على كمية اكبر.

ايفا: تصبحين على خير يا امي العزيزة.

شارلوت: تصبحين على خير يا أليفتي. استمتعت فعلا بهذا المساء. فيكتور انسان ممتع. يجب ان تهتمي به.

ايفا: انا افعل ذلك.

شارلوت: هل انتما سعيدان معا ? هل انتما متوافقان?

ايفا: (بصبر) فيكتور افضل اصدقائي. لا استطيع تصور الحياة من دونه.

شارلوت: قال انك لم تحبينه.

ايفا: هل قال هو ذلك?

شارلوت: نعم. لماذا?

ايفا: آه ان هذا لمفاجئ فعلا .

شارلوت: هل كان هذا سرا ?

ايفا: كلا .

شارلوت: ولكنك لا تحبذين فكرة انه قال ذلك.

ايفا: لا يملك فكتور عادة الثقة بالناس.

شارلوت: وكنا نتكلم عنك.

ايفا: إذا كنت ترغبين في معرفة اي شيء فاسأليني. اعدك ان اكون صادقة قدر استطاعتي.

شارلوت: يا عزيزتى إنك تصنعين من الحبة قبة. ليس أمرا غير مألوف ان تحاول أم عجوز معرفة احوال ابنتها.لقد تحدثنا عنك بأقصى مشاعر الحب. اؤكد لك ذلك.

ايفا: ليتك فقط تدعين الناس وشأنهم.

شارلوت: اعتقد أنني تركتك وشأنك أكثر مما يجب.

ايفا: (تبتسم) انت محقة تماما في هذا.

شارلوت: دعينا لا نتحدث عن مثل هذه المشاعر المؤذية وإلا فإننى لن تغمض لي عين الليلة أيضا بالرغم من الحبوب المنومة.

ايفا: نستطيع أن نتحدث مرة أخرى.

شارلوت: نعم. ضمينى وعدينى بأنك لست غضبي من امك العجوز.

ايفا: اعدك.

شارلوت: احبك, الا ترين?

ايفا: -(أدب) انا احبك ايضا .

شارلوت: ليس شيئا ممتعا ان يكون الانسان وحيدا دائما , صدقيني. في الواقع احسدك انت وفيكتور. الآن وبعد أن مات ليوناردو, انا شديدة الوحدة. هل تستطعين ادراك ذلك.

ايفا: نعم, استطيع.

شارلوت: كلا,كلا, كلا. سوف اجهش بالبكاء شفقة على نفسي خلال دقائق, وقد قررنا ان لا نسمح بتدفق العواطف هذه الأمسية ان هذا الكتاب الذي حمل عنوان هودونيت tinud ohw لا بأس به. إنه لكاتب ناشيء يدعى آدم كريتزينسكي. هل سمعت به?

ايفا: كلا.

شارلوت: قابلته في مدريد. كان مجنونا كبائع القبعات. استطعت بالكاد ان ادافع عن نفسي. اعني انني لم أدافع عن نفسي اطلاقا . تصبحين على خير يا عزيزتى ايفا.

ايفا: تصبحين على خير يا أماه.

شارلوت: اعجب بى بجنون وقال انني اجمل امرأة في حياته. ماذا افعل تجاه هذا الأمر?

ايفا: اخبرينى عندما تريدين الإفطار.

شارلوت: لا أريد ان اسبب لك اى ازعاج.

ايفا: ولكنني اريد تدليلك.

شارلوت: حسنا , إذا كنت مصر ة على ذلك.

ايفا: قهوة قوية, حليب ساخن, شريحتان من الخبز الألمانى الاسمر مع جبن «ايمانتل», شريحة محمصة من الخبز بالعسل. اليس هذا صحيحا ?

شارلوت: وكوب من عصير البرتقال.

ايفا: تخيلي, كدت انسى.

شارلوت: استطيع فعلا ان...

ايفا: سوف تحصلين فعلا على عصيرك. تصبحين على خير يا اماه!

شارلوت: تصبحين على خير يا عزيزتي.

(12)

شارلوت: (لوحدها) افكر ان القى نظرة على حساباتي. (تتناول دفترا احمر) يجب الا انسى ان اطلب من برامر تشغيل الأموال التي تركها لي ليوناردو. المنزل اصبح يساوى مبلغا لا بأس به ايضا . لم تشغل بال ك يوما باشياء من نوع الموجودات والمسؤوليات القانونية. كنت فوق المشاغل الدنيوية. تركت كل المشاكل لشارلوت. «شارلوت انت حكيمة جدا فيما يتعلق بالمال.. شارلوت, انت وزيرة ماليتي.» عندما غضبت منى في احدى المرات, قلت انني وضيعة. لربما كنت وضيعة, اهتم بالمال, طبعا . ما كان يملكه جدى من دم الفلاح واحساس الحصان. ثلاثة ملايين وسبع مائة وخمسة وثلاثون الفا وثمانى مائة وستة وستون فرنكا. تصو ر كل هذه الأموال يا ليوناردو. من كان يصدق ذلك? وتتركها لصديقتك العجوز شالورت. وانا ارقد على قليل من المال ايضا . إذا ما جمعناهما تجاوزا الخمسة ملايين. ماذا سأفعل بكل هذه الأموال? سوف اشترى سيارة جميلة لفيكتور وايفا. لا يستطيعان قيادة هذه السيارة الحطام الموجودة في الساحة. انه لأمر خطير. سوف نذهب إلى المدينة يوم الأثنين ونعاين سيارة. سوف يسعدهم ذلك. كما ساسعد انا بدوري. (تتثاءب) أخيرا بدأت اشعر بالاسترخاء والرغبة في النوم. سأقرأ في كتاب آدم ثم اطفئ النور. كم هو هادئ هذا المكان. توقف المطر. آه... (تقرأ) «قدمت له زهرة عذريتها الحمراء بكبرياء خرساء. تقبلها بلا حماس بالرغم من انه كان يحملق طوال الصباح بصدرها الصغير المشرئب, يا الهي, ماهذا الاحمق! لقد كان آدم غبيا فعلا اذ كاد ينتحر من أجلي (تبتسم) لنفترض انني ابتعت سيارة جديدة لنفسى واعطيت ايفا وفيكتور المرسيدس? عندئذ استطيع ان اطير عائدة إلى باريس وابتاع سيارة هناك, ولن اضطر ان اقود السيارة كل هذه المسافة. (تتثائب) غدا سوف اذهب إلى رافل. من المعيب ان كنت على هذا القدر من الكسل خلال الاسابيع القليلة السابقة. (تغمض عينيها) فيكتور انسان ممل. انه شديد الشبه بجوزيف ولكنه اقل حضورا . اعتقد انهما يتماثلان.

(ينفتح الباب. شارلوت خائفة جدا . تندفع هيلينا فجأة الى الغرفة وترمي بنفسها فوق والدتها. انها ثقيلة وقوية. وبعد عراك قصير تستيقظ شارلوت)

(13)

ايفا: لماذا يا اماه, ما الذي حدث? سمعتك تنادين وعندما دخلت إلى غرفتك لم أجدك هناك.

شارلوت: آسفة إن كنت قد ايقظتك ولكنني حلمت حلما مخيفا . حلمت ان......

ايفا: نعم?

شارلوت: كلا, لا استطيع ان اتذك ر ماهو.

ايفا: يسعدنى أن أبقى بصحبتك إذا كنت ترغبين في الكلام.

شارلوت: كلا, اشكرك يا عزيزتي. سوف اجلس لفترة وأهدأ, عودي الى سريرك.

ايفا: حسنا .

شارلوت: ايفا!

ايفا: نعم يا أماه?

شارلوت: انت تحبينني, أليس كذلك?

ايفا: طبعا . انت امي.

شارلوت: هذه ليست اجابة واضحة.

ايفا: إذا سوف اسألك سؤالا . هل تودينني?

شارلوت: انا احبك.

ايفا: هذا ليس صحيحا . (تبتسم)

شارلوت: انت تتهمينني بفقدان المحبة.

(ايفا لاتجيب, وتنظر إليها)

شارلوت: الا ترين كم أن هذا سخيف?

ايفا: (تنظر إليها) هذا ليس اتهاما .

شارلوت: هل تتهمين نفسك بعدم محبة فيكتور?

ايفا: قلت لفكتور انني لا احبه. انت تتظاهرين بالحب. هذا شيء مختلف.

شارلوت: لنفترض انني كنت مؤمنة بذلك?

ايفا: لا أدري ما تعنين.

شارلوت: ماذا إذا كنت مقتنعة بصدق انني احبك انت وهيلينا?

ايفا: هذا ليس ممكنا.

شارلوت: هل تذكرين عندما توقفت عن عملي وقر رت ان ابقى في المنزل?

ايفا: لا ادري ايهما كان الأسوأ: الوقت الذي بقيت فيه بالمنزل تمثلين دور الزوجة والأم, ام الوقت الذي كنت خلاله في جولة. ولكنني كلما فكرت بذلك, ادركت كيف حو لت حياتنا نحن الاثنين, والدي وانا, إلى جحيم.

شارلوت: انت لا تعرفين شيئا عن علاقتي بوالدك.

ايفا: كان خائفا مذعنا مثلى تماما ومثل كل الآخرين.

شارلوت: هذا ليس صحيحا . والدك وانا كنا سعيدين معا . كان جوزيف اكثر رجال العالم رقة ولطفا وعاطفة. كان يحبني, وكنت مستعدة لأن افعل اي شيء من اجله.

ايفا: آه نعم. لم تكوني مخلصة له.

شارلوت: لم أكن. احببت مارتن وذهبت معه لمدة ثمانية اشهر. هل تتخيلين ان حياتى خلال هذه الأشهر الثمانية كانت فراشا من الورد?

ايفا: على اى حال, انا التي كان عليها ان تجلس مع الوالد في الامسيات, وانا التي كان عليها ان تريحه, وانا التي عليها ان تردد انك كنت تحبينه رغم كل شيء وانك كنت لابد عائدة اليه, وانا التي كانت تقرأ له رسائلك. رسائلك الطويلة, الرقيقة,المحبة, المسلية, الهاذرة, والتي كنت تخبريننا فيها مقتطفات عن رحلاتك المسلية. كنا نجلس كالبلهاء, نقرأ رسائلك مرتين وثلاثا مقتنعين بأنه لا يوجد شخص في الكون اروع منك.

شارلوت: (هادئة, مذهولة) ايفا, انت تكرهينني.

ايفا: لا أدري.انا في غاية الارتباك. تأتي إلى هنا فجأة بعد سبع سنوات, واتطل ع إلى حضورك بفارغ الصبر. لست أدري مالذي تخيلت. ربما ظننت انك وحيدة وحزينة.لا أدري. ربما ظننت انني كبرت واستطيع النظر بلا انفعال اليك. الى نفسي, إلى مرض هيلينا, وإلى طفولتنا. ارى الآن ان كل شيء اصبح دوامة مريعة. (تتوقف) تصبحين على خير يا أماه. لن يفيدنا شيئا الكلام عن الماضى. انه يجرح كثيرا ; وبالاضافة إلى ذلك فلا جدوى منه.

شارلوت: تطلقين سيلا من الاتهامات ثم تنصرفين!

ايفا: لأن الوقت اصبح متأخرا على أي حال.

شارلوت: ما الذي أصبح متأخرا ?

يحيى
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تتمة السيناريو

مُساهمة  يحيى في السبت أكتوبر 31, 2009 3:40 pm

ايفا: لا شيء يمكن تغييره.

(ي سمع في السكون عويل طويل مشدود يكاد لا يشبه الصوت الآدمي) (تنظر شارلوت بقلق الى ابنتها)

ايفا: انها هيلينا, لقد استيقظت. سأصعد إليها برهة لأرى إن كانت بحاجة لأي شيء.

(تسرع ايفا الخطى عبر المنزل المعتم. تعرف طريقها جيدا دون حاجة إلى نور. كل شيء ساكن خارج النافذة تحت ضوء القمر, لا ريح ولا طيور. تفتح ايفا باب غرفة هيلينا بحذر. يتوقف العويل فجأة فور دخولها. تضئ مصباح المائدة. هيلينا مستلقية ترفع نفسها بحواجز سريرها, عنقها وكتفاها ترتعش وهى تعض شفتيها. عيناها مطبقتان بشدة, انها نائمة. توقظها ايفا برقة. تفتح عينيها ببطء, وببطء تعى واقعها. تحاول أن تقول شيئا ولكنها تتراجع فجأة. تسألها ايفا إن كانت عطشى. تهز رأسها, تغمض عينيها وتسقط نائمة فورا . يتوقف ارتعاشها ويستعيد وجهها هدوءه. تجلس ايفا معها, تنظر إليها.تطفئ النور وتنظر إليها ثانية).

(14)

ايفا: بالنسبة لك, كنت لعبة تلعبين بها عندما تجدين الوقت. إذا مرضت او اسأت السلوك سلمتنى إلى المربية او الوالد. اقفلت على نفسك الباب واخذت تعملين,ولم يكن يسمح لأي مخلوق بإزعاجك. كنت اقف وراء الباب استمع. عندما تتوقفين لتناول القهوة, استرق الخطى وادخل لأرى إذا ما كنت حقا موجودة. كنت لطيفة ولكن عقلك كان في مكان آخر. لو سألتك شيئا كنت بالكاد تجاوبين. افترش الأرض واجلس انظر إليك:كنت طويلة وجميلة, وكانت الغرفة رطبة ومهوية, والظلل مسدلة. في الخارج تحرك نسمة اوراق الشجر ويلف كل شيء ضوء اخضر غير حقيقى. احيانا كنت تسمحين لي ان اجدّف بك خارجا نحو الخليج. كان لديك فستان صيفي ابيض طويل مفتوح الصدر يظهر نهديك. كانا في غاية الجمال. كنت حافية القدمين مجدولة الشعر في ضفيرة كثيفة. وكنت تحبين النظر الى الماء. كان الماء صافيا وباردا , وكان باستطاعتك رؤية الاحجار الكبيرة البعيدة في القاع, وكذلك النباتات والاسماك. تبلل شعرك وكذلك يداك. ولأنك كنت تبدين دائما متألقة, اردت بدوري ان احذو حذوك. اصبحت شديدة التدقيق في ملابسى. كنت قلقة دوما الا يعجبك مظهري. اعتقدت انني قبيحة جدا , كما ترين, نحيلة, بارزة العظام بعينين كبيرتين كعيني البقرة, وشفتين غليظتين قبيحتين, بلا حواجب ولا رموش. ذراعاي طويلتان جدا , وقدماي كبيرتان بأصابع مفلطحة. و......كلا, ظننت انني ابدو منفرة للنظر. ولكنك بالكاد ابديت اي قلق تجاه مظهري. مرة قلت: «كان الاجدر ان تكون صبيا».ثم ضحكت بعد ذلك كيلا اضطرب, ولكنى اضطربت طبعا . بكيت لاسبوع في السر , لأنك كنت تزدرين الدموع - دموع الآخرين.ثم فجأة اجد حقائبك في احد الايام منتصبة اسفل السلم بينما تتحدثين عبر الهاتف بلغة اجنبية.كنت اذهب الى الحضانة, ابتهل إلى الله ان يحدث ما يمنعك من الذهاب. أن تموت جدتى, أو ان يحصل زلزال, أو ان تتعطل محركات كل الطائرات. ولكنك كنت دوما تذهبين. كل الابواب كانت مفتوحة والرياح تعصف بالمنزل, والجميع يتكلم في نفس الوقت.واتيت نحوي ووضعت ذراعيك حولي وقبلتني وضممتني, ثم قبلتني مرة ثانية ونظرت الى وابتسمت لي. كانت تفوح منك رائحة ذكية ولكن غريبة,انت نفسك كنت غريبة, كنت قد ذهبت فلم ترينى. كنت افكر: سوف يتوقف قلبي عن النبض الآن, انا اموت, هذا يؤلم كثيرا ,لم اذق السعادة مرة ثانية. خمس دقائق فقط مر ت, كيف استطيع تحمل مثل هذا الألم لمدة شهرين? واخذت ابكى في حضن ابي, وجلس هو ساكنا ويده الناعمة الصغيرة تداعب رأسى. وواصل الجلوس هناك وبيده غليونه القديم, ينفث الدخان بعيدا حتى احاطنا الدخان من كل صوب. احيانا كان يقول شيئا : «لنذهب إلى السينما هذا المساء.» أو «ما رأيك في تناول الآيس كريم للعشاء اليوم?» ولكنني لم اكن مهتمة بتاتا لا بالسينما ولا الآيس كريم لأننى كنت أموت. مرت الأيام والأسابيع. تشاركنا انا ووالدي الوحدة جيدا . لم يكن لدينا الكثير نقوله لبعضنا البعض, ولكن البقاء معه كان مدعاة للهدوء النفسى فلم احاول ازعاجه ابدا . في بعض الأحيان كان يبدو مضطربا . لم اكن اعرف انه كان دوما بحاجة للمال. ولكن عندما كنت آتي متثاقلة نحوه يشرق وجهه, ونتبادل اطراف الحديث, او ير بت على بيده الصغيرة الشاحبة, أو كان يجلس على الأريكة الجلدية مع العم أوتو يشربان البراندي ويتحدثان بصوت خافت. كنت اتساءل إن كانا يسمعان فعلا ما يقولانه. أو ان العم هاري كان موجودا . وعندما يلعبان الشطرنج يصبح المكان هادئا إلى اقصى الحدود. كنت استطيع سماع دقات الساعات الثلاث الموجودة في المنزل. قبل موعد حضورك المفترض ببضعة أيام, كنت اصاب بالحمى لفرط الإثارة, فيما ينتابني في نفس الوقت قلق شديد مخافة ان امرض فعلا لأننى كنت أعلم انك تخشين المرضى.

ثم بعد ذلك, عندما كنت تحضرين فعلا , لم يكن بمقدروي تحم ل ذلك. اذ كنت اكون سعيدة للغاية, ولا استطيع ان اقول شيئا لدرجة انك احيانا كنت تضيقين بي وتقولين, «لا يبدو على ايفا السعادة الشديدة لعودة والدتها إلى البيت مرة ثانية.» عندها كانت وجنتاي تتضرجان, واصاب بالتعر ق الشديد, ولكنني لم اكن انبس ببنت شفة - لم يكن لدى كلام لأنك انت التي ملكت كل الكلام في المنزل. احببتك, كانت مسألة حياة أو موت - هذا ما اعتقدت على أن حال - ولكنني لم اعد اثق بكلا مك. عرفت بالغريزة انك بالكاد كنت تعنين ماتقولين. انت تمتلكين صوتا جميلا , يا اماه. عندما كنت صغيرة كنت اشعر بصوتك يلامس جسدي حين كنت تخاطبيننى, وكثيرا ما كنت تغضبين منى لعدم سماعي ما تقولين. وهذا لأنني كنت استمع إلى صوتك وايضا لأنني لم أكن افهم ماتقولين. لم اكن افهم كلماتك - لأنها لم تكن تتناسب مع نبرة صوتك أو تعبيرات عينيك. وأسوأ ما في الأمر انك كنت تبتسمين في غمرة غضبك. عندما كنت تكرهين والدي كنت تدعونيه «يا اعز اصدقائي» وعندما كان يصيبك التعب مني كنت تقولين: « يا فتاتى الصغيرة العزيزة.» لا شيء يماثل الواقع. كلا, انتظري يا اماه يجب ان انهي كلامي. اعلم انني ثملة بعض الشئ, ولكن لولا انني تناولت بعض الشراب لما كنت قلت ما قلت. فيما بعد, عندما كانت تخذلني الشجاعة ولا يعود لدي الجرأة لأقول المزيد او عندما ابقى صامتة لأنني خجلة مما قلت, عندئذ يكون بمقدورك ان تتكلمى وتفس ري. ولسوف استمع وافهم, تماما مثلما كنت دوما استمع وافهم. وبالرغم من كل شيء, فلم يكن امرا سيئا ان اكون ابنتك الصغيرة. لم يكن من الخطأ انني احببتك. لقد تحملتني كثيرا اذ كانت لديك رحلاتك, ولكن هنالك شيئا واحدا لم افهمه مطلقا هو علاقتك بوالدي... فكرت بكما كثيرا في الآونة الأخيرة, ولكن حياتكما معا كانت لغزا . أحيانا اعتقد انك اعتمدت كليا على والدي بالرغم من انه اضعف منك بكثير. وبشكل ما كنت تراعين شعوره كما لم تفعلين اطلاقا معي او مع هيلينا. لقد افسدته وتحدثت عنه كما لو كان مصنوعا من مادة أرقى. مع ذلك فإن والدى المسكين كان يفتقد الموهبة الى حد كبير - كان وديعا لا يضايق احدا . علمت انك قمت بتسديد ديون والدي في عدة مناسبات. اليس كذلك?

شارلوت: نعم.

ايفا: اعتقد ان والدي كانت له علاقات صغيرة. على اي حال اذكر ثلاث سيدات غريبات حضرن لرؤيتنا وجلسن في غرفة الجلوس. اعتقد ان احداهن كانت تدعى ماريا فان ايك. كانت تلميذتك اليس كذلك?

شارلوت: والدك كانت له علاقة مع ماريا. علاقة بسيطة وقصيرة.

ايفا: ألم تزعجك علاقاته الغرامية?

شارلوت: كلا, حتما , لم اغضب يوما من والدك بسبب علاقاته الصغيرة. بالإضافة إلى ذلك, فقد كان ذوقه رفيعا . قلت انه لم يكن كفؤا . هذا حكم قاس وغير عادل, ويكشف انك لم تكوني على معرفة بوالدك. في ظروف اخرى كان بإمكان جوزيف ان يكون احد اعظم المهندسين المعماريين في أوربا. ولكنه غالى في استقامته وفي مراعاة مشاعر الآخرين. كان العازف الثانى في فرقة اخيه الذي لم يكن يمتلك نصف موهبته. ومن سوء الحظ ان والدهما ترك شركته لهما مناصفة. لم يكن جوزيف يحب ابدا الدخول في مشاكل او اثبات نفسه. ولكنه كان يملك افكارا لماعة. لقد قام مثلا بتصميم قاعة حفلات موسيقية لكوبنهاجن, ام هل كانت اوسلو? كلا, كانت ليونز, في الواقع, واجمع الكل على انها احد اجمل المباني التي شيدت خلال الثلاثينيات. ثم جاءت الحرب وانتهى المشروع إلى لاشيء. مسكين جوزيف, كان سيئ الحظ في كل ما اخذ على عاتقه. كان فعلا رجلا عظيما وليس ابدا عديم الموهبة. تبدين متشككة فيما اقول يا ايفا. الا تصدقينني?

ايفا: ما اهمية ذلك? كلماتك تنطبق على واقعك وكلماتي على واقعي, وإذا ما تبادلنا الكلمات فإنها تغدو لا قيمة لها.

(15)

شارلوت: تحدثت سابقا عن خداعي لنفسي. اعتقد انك مخطئة. لم اكذب على نفسي ابدا . كان واقع الحال مخيفا . اصبت بأوجاع الظهر ولم استطع المران, كما يجب. ساءت حالة حفلاتى الموسيقية, وفقدت ارتباطات مهمة. بدأت اشعر ان حياتي لا معنى لها. في الوقت نفسه انتابني تأنيب ضمير تجاهك وتجاه جوزيف. بدا لي من الغباء ان اجرجر نفسي من مدينة إلى أخرى مترنحة ومهانة في الوقت الذي كان يمكنني ان اكون بدلا عن ذلك معكما في المنزل. تبتسمين بسخرية. إنني احاول ان اتكلم بصدق. احاول فقط أن اقول لك كيف شعرت. لا يهمني بعد ذلك ما تعتقدين. ولكن من الأفضل ان اخرج هذه الأمور من صدري ولو لمرة, حتى لا نعاود ذكرها مرة ثانية.

ايفا: انى احاول ان افهم.

شارلوت: كنت في هامبورج; عزفت بيتهوفن اولا . لم يكن صعبا بصورة خاصة, وكل شيء سار على ما يرام. بعد ذلك خرجت للعشاء مع شميس العجوز, تعرفينه, قائد الأوركسترا (لقد مات الآن). كنا نفعل ذلك دائما . عندما كنا نأكل ونشرب لفترة طويلة من الزمن وكنت راضية ومرتاحة وظهري يكاد لا يؤلمني اطلاقا , كان شميس يقول لي: «لماذا لا تبقين في البيت مع زوجك وطفلتك وتعيشين حياة محترمة بدلا من ان تعر ضي نفسك للاذلال الدائم?» حملقت به وانفجرت ضاحكة؛ هل تعتقد ان عزفي كان بهذا السوء هذا المساء?» قال (مبتسما ): «كلا لا اعتقد ذلك.. » ولكنني لا املك إلا ان افكر في يوم الثامن عشر من اغسطس الف وتسعمائة واربع وثلاثين. كنت في العشرين من العمر وعزفنا بيتهوفن معا لأول مرة في لينز, هل تذكرين ذلك المساء? كانت هنالك موجة من الحرارة وكانت القاعة مكتظة. عزفنا كالالهة, وكانت الأوركسترا ملهمة. لقد وقف الجمهور بعد الحفلة هاتفا مهللا , وردت الاوركسترا التحية بعزف احتفالي بالبوق. كنت ترتدين ثوبا صيفيا بسيطا احمر اللون فيما يسترسل شعرك طويلا حتى خصرك. كنت مرحة وغير مبالية. ففيما يتعلق بك كان بالامكان ان نعزف الكونشرتو خمس مرات اخرى ذلك المساء بالمتعة نفسها». «كيف تتذكر كل هذا?» سألته. «لقد سجلت ذلك في مفكرتي الشخصية», قال, «حول انجازاتي الهامة».

عندما عدت إلى الفندق لم اتمكن من النوم. اتصلت بجوزيف الساعة الثالثة صباحا , وقلت له لقد اتخذت قراري: سوف اتوقف عن التجوال وابقى في المنزل معه ومعك. سوف نكون عائلة حقيقية. جوزيف كان سعيدا جدا . بكينا بعاطفة عميقة, نحن الاثنان, وتحدثنا نحو ساعتين تقريبا . هكذا كان. لم يكن الأمر خداعا على اى حال. ربما فكرة طفولية بأن الحياة قد تعطى مخرجا رحيما حتى لشارلوت اندرجاست. شيء سخيف, طبعا . بعد شهر من الزمن ادركت انني اصبحت عبئا ثقيلا عليك وعلى جوزيف, وانني اتوق إلى الرحيل, ولكني هدأت بعد عام او يزيد. بدأت اعطى دروسا وكر ست نفسي لك ولتنشئتك, وشاركت جوزيف قلقه. قضينا فصول الصيف في كوخ على الأرخبيل. تذكرين أليس كذلك? (ايفا تهز رأسها وتبتسم بلا ابتسامة) كنا سعداء نسبيا كما اعتقد, أليس كذلك? الم تكوني سعيدة?

ايفا: (تهز رأسها) كلا, لم اكن سعيدة.

شارلوت: (متنهدة) قلت إن الأمور ما كانت لتكون أفضل من ذلك.

ايفا: لم اشأ أن اخيب املك.

شارلوت: هذا يؤكد وجهة نظري. (ضاحكة) ما الخطأ الذي ارتكبت?

ايفا: لم ترتكبي اي خطأ. كنت رائعة, كالعادة. اعتقدت انك كنت مخيفة. كنت في الرابعة عشرة من عمري, ولافتقادك ماهو افضل فقد حو لت كل طاقتك المخزونة ضدي. لقد رسخت في ذهنك فكرة انك اهملتني, والآن تصممين على تعويض ما فات. بذلت جهدي للدفاع عن نفسي ولكن لم يكن امامي أية فرصة. بالاضافة إلى كل ذلك, لقد احببتك وكنت مقتنعة طيل ة الوقت انك كنت المصيبة وانا المخطئة. هل تعرفين ما فعلت? لم توجهي نقدأ صريحا بل كنت دائما تلمحين. ولكن في كل ساعة من ساعات النهار كنت حاضرة بابتساماتك, وحركاتك القليلة, وعنايتك الحنونة بالآخرين, أو نبرة صوتك القلقة. لم تكن هنالك جزئية واحدة غائبة عن طاقتك المحبة. كانت لدى حدبة لأنني نموت بسرعة. كان يتوجب عليك متابعة تمارين الجمباز, وطبعا كنا نقوم بهذه التمارين معا . وكنت تتذرعين بآلام ظهرك. بانت على حبوب الشباب, حيث انني بلغت سن البلوغ, وبسرعة خاطفة جاءني اختصاصي الامراض الذي كان صديقا للعائلة. وصف لي مراهم ومسوحات كانت تشعرني بالغثيان وتجعل جلدي اكثر احمرارا . لقد ظننت انني لن استطيع ان اعتني بشعري بالصورة الواجبة, ولذلك فقد قمت بقص ه. كنت مرعبة, اعتقدت ان مظهري كان رهيبا . وأسوأ ما في الأمر انك ظننت ان اسناني ليست بالاستقامة الطبيعية ولذلك فقد قمت بتركيب جسر لها. اصبح منظري كالفزاعة الحقيقية. قلت لي انني الآن, وقد غدوت فتاة راشدة, فلا يجوز ان اتجول بثياب فضفاضة وسترات غير رسمية, بل ارتدي فساتين كنت توصين عليها او تقومين انت بصنعها, دون اي اعتبار لرأي. ولم يكن بمقدوري ان اعترض لأننى لم اشأ ان اعكر مزاجك. كنت تع طينني للقراءة كتبا لا احبها - كانت اعلى بكثير من مستواي. كنت اقرأ وأقرا , وكان علينا ان نناقش معا ما قرأت. كنت تفسرين وتطرحين الأمور امامي دون ان يكون لدي اية فكرة عما تتكلمين. كنت اخشى ان تقومي يوما بعرض امكاناتي امام الناس فيظهر غبائي اللامحدود.

احست بشلل كامل. ولكن هنالك أمرا واحدا فهمته بوضوح: لم تكن هنالك اية قطعة صغيرة منى يمكن ان تكون موضع حب أو قبول. كنت مسكونة بهذه الفكرة, وغدوت انا اكثر واكثر خوفا وانسحاقا . لم اعد اعرف من انا اذ كان على كل لحظة ان اسعدك. تحولت إلى لعبة غبية من صنع يديك. كنت اقول ما كنت تريدينني ان اقول, واقوم بحركاتك وسكناتك ذاتها كي اح ظى بقبولك. لم اجرؤ ان اكون نفسي للحظة واحدة ولا حتى عندما اكون وحدى, لأننى كرهت كل مايمت لي بصلة. كان الأمر مريعا يا اماه, وما زلت ارتجف عندما اتكلم عن تلك السنوات. كان امرا مرعبا , ولكن كان لابد وان يتدهور اكثر واكثر. وكما ترين, لم ادرك انني كنت اكرهك لأننى كنت مقتنعة تماما اننا نحب بعضنا, وانك اكثر معرفة. لذلك لم استطع ان اكرهك, وتحولّت الكراهية إلى خوف مجنون. حلمت احلاما مروعة, قضمت اظافرى, ونزعت خصلا من شعرى . حاولت ان ابكى ولكنى عجزت عن ذلك. لم استطع ان اخرج اى صوت. حاولت ان اصرخ ولكن لم يصدر عنى سوى انات مختنقة زادت في خوفى. في احد الأيام اخذتنى بين ذراعيك, جلست بقربى على الاريكة وبكيت قليلا .قلت انك قلقة بشأن نموى وانه من الافضل ان نرى طبيبا حانيا . ذهب في ظنى انك عنيت انني اكاد افقد عقلى, ومنحتنى هذه الفرضية نوعا من الاستكانة الكئيبة. وهكذا أرسلت الى طبيب نفسى. عجوز محافظ تعب في معطف ابيض كان ينكز كرشه السمين بفتاحة رسائل طوال وقت محادثتنا. بدأ يسألنى عن حياتى الجنسية ولكنني لم اكن ادرى عما كان يتكلم - فلم اكن حتى قد مررت بعد بعادتى الشهرية الأولى - ولذلك كان على ان اختلق كل شئ. اعتقد ان اذواقى المتقدمة وتخيلاتى المخرفة قد ادهشته. او انه استطاع ان يستشف حقيقتى ولكنه لم يشأ ان يجرحنى. كان لطيفا حسن النوايا, وقال انه على ان اتذكر ان والدتى تحبنى, وانها لاتفكر إلا بمصلحتى. ولكنني كنت اعرف ذلك من قبل.

شارلوت: وقد رحلت مع مارتن. لم تغفرى لي ذلك ابدا . اليس كذلك?

ايفا: لم يخطر ذلك في بالى.

شارلوت: ولكنك ظننت انني قد تخليت عنك.

ايفا: نعم.

شارلوت: الم يحدث ابدا ... (تراجع نفسها. تتوقف)

(تسكت ايفا. تسكت شارلوت)

ايفا: هل تذكرين ستيفان?

شارلوت: اذكره بالطبع! انت وستيفان لم تكونا لقادرين على التعامل مع طفل.

ايفا: أماه! كنت في الثامنة عشرة وستيفان كان بالغا . كن ا مغرمين ببعضنا البعض, وكان ممكنا لعلاقتنا ان تنجح.

شارلوت: ما كان لديكما المقدرة على الانسجام.

ايفا: آه بلى, كان ذلك في مقدورنا. كنا نريد انجاب الطفل, ولكنك حطم ت علاقتنا.

شارلوت: هذا ليس صحيحا . من المؤكد ان هذا غير صحيح! على عكس ذلك, قلت لوالدك أنه علين ا ان نمنحهما فرصة أخرى, وان علينا ان ننتظر ونرى. الم تدركى ان ستيفانك هذا كان احمق, متشردا نصف مجرم, ضحك عليك منذ البداية حتى النهاية?

ايفا: (بكراهية) لقد كرهته منذ اللحظة الأولى لأنك رأيت انني احبه, وانني كنت قد انجرفت بعيدا عنك. حاولت جهدك تدمير علاقتنا متظاهرة طوال الوقت انك متفهمة ومتعاطفة.

شارلوت: والطفل?

ايفا: تحول ستيفان إلى رجل آخر عندما علم انني حبلى.

شارلوت: لقد اصيب ستيفانك هذا بصدمة هائلة. اخذ سيارتي وقادها إلى خندق واعتقل لقيادته السيارة وهو مخمور. هذه كانت ردة فعله تجاه حملك.

ايفا: (بغضب جامح) هل تظنين انك تعرفين كل شيء? هل كنت موجودة اثناء مناقشاتنا? هل كنت مختبئة اسفل السرير عندما كنا انا وستيفان معا ? هل تعرفين عم ا تتكلمين? هل اهتممت يوما بأن تعرفي كيف يفكر الآخرون وكيف يشعرون? واخيرا , هل تبالين بأى مخلوق آخر ماعدا شخصك انت?

شارلوت: لقد سمعت هذه الاتهامات من قبل.

ايفا: لم يكن ستيفان كالآخرين بل افضل واكثر صدقا .

شارلوت: اعتقد انه لذلك سرق تلك النسخة المطبوعة الصغيرة لرمبرانت, ورهنها. ولذلك ايضا كذ ب عليك بشأن طفولته وشبابه ومأساة عائلته, ولذلك ايضا اقتحم كوخنا الصيفي مع اصدقائه المحترمين وشرب كل الخمرة وترك المكان مزبلة قذرة.

ايفا: كل ذلك حدث فيما بعد. هل نسيت? هل نسيت انك دبرت ابعادى إلى عيادة طبيب نفساني بعد الاجهاض, وانك شكوت ستيفان إلى البوليس عندما تو جه إلى المنزل ليت حدث اليك?

شارلوت: لو انك حقا اردت طفلا لما كان بامكاني ان افرض عليك عملية الاجهاض.

ايفا: كيف لي ان اتحداك? لقد قمت بغسل دماغى منذ الطفولة, وكنت دائما استسلم لك. كنت خائفة مضطربة بحاجة إلى المساعدة والدعم.

شارلوت: (بأسى) ظننت انني كنت اساعدك. كنت مقتنعة ان الاجهاض هو الحل الوحيد. وكنت مقتنعة بذلك ومازلت حتى الآن. شيء رهيب أن تغذي هذه الكراهية طوال هذه السنين. لماذا لم تقولى ابدا اى شئ?

ايفا: لانك لاتصغين ابدا . لأنك انسانة هروبية سيئة السمعة, لأنك مصابة بشلل عاطفى; لأنك في حقيقة الأمر تزدرينني انا وهيلينا, لأنك دون أمل يرتجى مغلقة على نفسك, لأنك دائما تقفين داخل دائرة نورك الشخصى, لأنك حملتنى في رحمك البارد ولفظتنى إلى الخارج باحتقار, لأننى احببتك, لأنك اعتبرتنى مثيرة للاشمئزاز عديمة الذكاء وفاشلة. ولقد تمكنت من جرحى مدى الحياة تماما كما انت مجروحة. مزق ت كل ماهو حس اس ورقيق, حاولت ان تخنقي كل ما هو حي. تتكلمين عن كراهيتي. كراهيتك لم تكن أقل. كراهيتك ليست أقل. كنت صغيرة وطيعة ومحبة. كبحت جماحى, اردت حبى, تماما كما كنت تريدين ان يحبك كل انسان آخر. كنت تحت رحمتك كل يا. فعلت كل هذا باسم الحب. رددت طويلا انك احببتنى واحببت والدي وهيلينا. كنت اخصائية في الترنيمات والحركات التي تعب ر عن الحب. الناس أمثالك - الناس امثالك خطر على الآخرين, يجب ان تسجني بعيدا وان يتم العمل على جعلك غير مؤذية. ام وابنة - يا للمزيج الرهيب من المشاعر والتشوش والدمار! كل شيء ممكن, وكل شيء يتم باسم الحب والعناية المفرطة. جراحات يجب ان تحو ل للابنة, خيبات امل الأم يجب ان تدفع الابنة ثمنها, تعاسة الأم يجب ان تصبح تعاسة الابنة. يبدو الامر وكأن حبل السر ة لم يقطع ابدا . سوء حظ الابنة هو انتصار الأم, حزن الابنة هو سرور الأم الخفي.

(تستيقظ هيلينا على صوت ايفا. نبرة الصوت وعلو ه يخيفانها. تنهض بنفسها خارج السرير, متسلقة حاجزه المرتفع وتنزلق ارضا . تجر نفسها نحو الباب معتمدة كوعيها وركبتيها, تقع على جانبها, وتستلقي لاهثة مرتعشة)

ايفا: (صوت) عشنا الحياة بشروطك, على عطاءات جميلك الصغيرة اللئيمة. اعتقدنا ان الحياة هي كذلك. الطفل سهل الاختراق دائما , لا يستطيع فهم الأمور, لا حول له ولا قوة. انه لا يستطيع ان يفهم, لا يدرك الأشياء, تافه يقول اي شيء. معتمد على الآخرين, معرض للاذلال, ومن ث م المسافة, الجدار الذي لا يمكن تخطيه. ينادى الطفل, لا أحد يجيب, لا احد يأتي. ألا ترين?

شارلوت: لقد رسمت لى, بكراهيتك الرهيبة, صورة معينة. ولكن هل هي صحيحة? هل تعتقدين بجد انها الحقيقة كاملة?

(تخفي ايفا وجهها بيديها, تهز رأسها)

شارلوت: هل تذكرين جدتك? كلا, طبعا لا, كنت في السابعة تقريبا عندما ماتت. تذكرين جدك بصورة أفضل; في الواقع اعتقد انك اقمت معه علاقة حميمة.

ايفا: كنت اخشى جدتي, كانت طاغية, جسديا وعقليا . جدي كان لطيفا .

شارلوت: نعم. هكذا كان الأمر بالنسبة لك.

ايفا: ولكن ليس لك.

شارلوت: كلا, بالكاد. والدتى ووالدى كانا عالمي رياضيات متميزين. كانا مأخوذين بعلمهما وببعضهما البعض. كانا مسيطرين عديمي المسؤولية ولطيفى المعشر. كنا في نظرهما اطفالا نحمل سمات الطيبة المندهشة, ولكنها نظرة مجردة من أي دفء أو اهتمام حقيقي. لا أذكر ان أيا منهما قد لمسني او لمس اخوتي يوما سواء مداعبا أو بداعي القصاص. في الواقع كنت جاهلة تماما بكل امور الحب: الرقة, التواصل, الألفة, الدفء. لم اتمكن من اظهار مشاعري إلا عبر الموسيقى. كنت اتساءل احيانا عندما استلقي يقظة ليلا فيما اذا كنت قد عشت أصلا . سوف يقول لي احدهم ملاطفا : «ما اروع الحياة التي تعيشينها ياسيدة اندروغاست. فكري فقط انه باستطاعتك امتاع الناس كثيرا» ولكن ما افكر به انا هو: انا لست على قيد الحياة. انا لم اولد مطلقا . لقد ع صرت خارج جسد والدتي الذي سرعان ما انغلق واستدار نحو والدي. انا لم اوجد. احيانا كنت اتساءل اذا كان الأمر متماثلا بين كل البشر, أو ان بعض الناس يمتلكون موهبة اكبر على العيش. إذا كان بعض البشر قد وجدوا ولكنهم لم يعيشوا الحياة.

ايفا: منذ متى عرفت كل هذا?

شارلوت: لقد اصبت بالمرض منذ ثلاث سنوات, ربما لم تعرفى. اصبت بتسمم في الدم, ومكثت في احد مستشفيات باريس لمدة شهرين. الغى ليوناردو حفلاته وبقي معي كل الوقت. كدت... حسنا, اعتقد انني ك دت ان اموت. وقد استغرقت وقتا طويلا حتى.... اصبت بنوع من الانهيار العصبي, أو سم ه ما شئت.

ايفا: ولكن, يا اماه, لم يكن لدى اية فكرة.

شارلوت: لم يكن هنالك حاجة لإقلاقك. حسنا , على اى حال, لقد بدأنا أنا وليوناردو نتحدث مع بعضنا البعض بعد أن اتيح لنا الوقت الكافي لذلك ولو لمرة. في الواقع كان ليوناردو هو الذي يتول ى الكلام. كنت استمع واحاول ان افهم. كان الأمر صعبا في البداية. آه بوسعى ان اكون في منتهى الروحانية إذا اقتضى الأمر, ولكنني لم اعبأ بالروح نفسها. (تتنهد) كانت كدروس الصف الأول, ولكنى لم اكن تلميذة بالمستوى المطلوب. لقد اعتبرت كلام ليوناردو معظم الوقت بلا معنى, ولكن جلوسه على السرير اشعرنى بالراحة. (تبتسم) كان صبره بلا حدود, رغم انه في بعض الاحيان كان يلقبنى بالوز ة البليدة, ولم يستطع ايجاد تفسير لمقدرتي على ان اكون تلك العازفة الموسيقية التي اصبحت. (تتوقف) اخيرا استطعت ان اكو ن صورة عن نفسى: انا لم انضج ابدا - يشيخ وجهى وجسدى, اكسب ذاكرة وتجارب, ولكنى مازلت داخل الصدفة وكأنني لم اولد. (تتوقف) لا استطيع تذك ر الوجوه, ولاحتى وجهي انا. احيانا احاول ان أتذكر وجه امي, ولكنني لا استطيع. اعرف انها ضخمة وداكنة البشرة ذات عينين زرقاوين وانف كبير وشفتين ممتلئتين وجبهة عريضة. ولكني لا استطيع وضع الأجزاء مع بعضها البعض. لا استطيع ان اراها. وبالطريقة ذاتها فمن المستحيل بالنسبة لي أن اتذكر وجهك انت او وجه هيلينا او ليوناردو. الشيء الوحيد الذي اذكره عن ولادتي لك ولشقيقتك هو ان عملية الولادة مؤلمة, ولكني لا اذكر حتى نوع ذلك الألم. (تتوقف) قال ليوناردو مرة انه..... كيف عب ر عن ذلك ترى? .... «تلمس الحقيقة هو قضية موهبة», قال «معظم الناس يفتقدون تلك الموهبة, ولربما كان ذلك أمرا جيدا».

هل تعلمين ماذا عنى?

ايفا: اعتقد ذلك.

شارلوت: كم هو....(تصمت)

ايفا: (بعد أن تتوقف برهة) ماذا?

شارلوت: كم هو غريب!

ايفا: غريب?

شارلوت: كنت اخشاك دوما . (مندهشة)

ايفا: لا استطيع ان افهم ذلك.

شارلوت: (دهشة هادئة) اعتقد انني اردتك ان تهتمي بي. وددت ان تضعي ذراعيك حولي وتريحيننى.

ايفا: كنت طفلة.

شارلوت: هل يهم هذا?

ايفا: كلا.

شارلوت: وجدت انك تحبينني واردت ان احبك بدوري, ولكنني لم استطع لأنني كنت اخشى متطلباتك.

ايفا: لم يكن لدي اية متطلبات.

شارلوت: ظننت ان لك متطلبات لا يمكنني تلبيتها. شعرت انني غريبة الأطوار ومشلولة. لم اشأ أن اكون امك. اردتك ان تعرفي انني كنت مثلك بلا حول, ولكن اشد فقرا وأكثر خوفا .

ايفا: هل هذا صحيح?

شارلوت: اسمع نفسي اقول اشياء لم اقلها من قبل. هل انني اكذب? هل انني امثل , هل أنني أقول الحقيقة? لا أدري يا ايفا. لا أدري. اشعر انني مضطربة ومربكة. ربما انه موت ليوناردو. ربما مرض هيلينا. ربما كراهيتك الرهيبة. (بأسى شديد) ايفا, كوني رقيقة معى! إن هذا لمؤلم جدأ !

ايفا: اعرف انه مؤلم.

شارلوت: لم ترمقينني بهذه النظرة?

ايفا: سأقول لك.

(تفتح هيلينا الباب بصعوبة بالغة وتحبو نحو القاعة اعلى السلم. لقد جر ت نفسها إلى اعلى السلم حيث استلقت في الظلام, تستمع إلى الإمرأتين تتحدثان.)

شارلوت: اخبريني ما يدور بخلدك.

ايفا: افكر بهيلينا وليوناردو.

شارلوت: لا أفهم.

ايفا: الا تفهمين?

شارلوت: بالكاد كانا يعرفان بعضهما البعض.

ايفا: اماه!

شارلوت: كنا سوية في بورنهولم في احد اعياد الفصح.

ايفا: لقد ذهبت وتركتنا بعد ثلاثة ايام.

شارلوت: اذكر انها كانت تمطر. اظن انه كان هنالك بعض الثلج ايضا .

ايفا: اماه!

شارلوت: كان على ان اعزف البارتوك الأولى مع انسرميت في جنيف. (تتوقف) كنت متحمسة للوصول إلى هناك في الوقت المحدد. اردت مراجعة الكونشرتو معه بسلام وهدوء. ولذلك فمن المحتمل ان اكون قد غادرت مبكرة, كان الطقس مخيفا . (توقف طويل). كان مزاج ليوناردو في غاية السوء, وكنت كئيبة بدورك.

ايفا: اماه!

شارلوت: لست ادري لم تريديننى ان اتذكر ذلك الفصح السخيف. استطيع ان استدل من نغمة صوتك انك تريدينني ان اخجل من شيء ما. حسنا , اريدك ان تعلمي اننى...

ايفا: وصلتما يوم الخميس انت وليوناردو. قضينا امسية رائعة.ضحكنا وغنينا وشربنا النبيذ ولعبنا بعض الألعاب القديمة التي وجدناها في الخزانة. كانت هيلينا معنا ولم تكن مريضة إلى هذا الحد آنذاك. انتشت وكانت دافئة وسعيدة. وكان ليوناردو سعيدا لسعادتها. اخذ يتحدث معها ويمازحها. قلب الحب كيانها رأسا على عقب. جلسا معا حتى ساعة متأخرة من الليل. في الصباح التالى اخبرتنى هيلينا بسري ة تامة ان ليوناردو قب لها. بعد الأفطار ذهب ليوناردو وهيلينا في نزهة بالسيارة. كانت الجمعة العظيمة, وكان الطقس دافئا وساكنا , يوم ربيعى حقيقى. تخيلى انك قد نسيت, يا اماه. عندما عادا إلى المنزل كانت الشمس قد لو حت بشرتيهما وكانا مرحين إلى ابعد الحدود. كنت تجرين اتصالا هاتفيا , كنت تتصلين بالهاتف طوال الصباح. عندما دخلا القاعة ووضع ليوناردو هيلينا على المقعد اوقفت مكالمتك وقلت: «الآن أشكري ليوناردو بشكل لائق لهذا اللطف الذي احاطك به.» ضحكت هيلينا وقالت: «تحدثيننى وكأننى فتاة صغيرة في الثانية من عمرها: ياله من أمر مؤثر.» ثم قلت بنبرة مختلفة تماما : «انا سعيدة كونك لم تفقدي قدرتك على المرح.» ثم اخذت تتابعين اتصالاتك الهاتفية وكأن شيئا لم يكن. بعد الظهر اخرج ليوناردو كتابا من حقيبته. كان سيرة موزارت. قرأ لهيلينا بصوت مرتفع واخذا يشاهدان الصور سوية. اخذت تتدربين على كونشرتو بارتوك لبضع ساعات. وعند الساعة الرابعة دخلت إلى في المطبخ لتحضر ي الشاي. قلت: «هل رأيت هيلينا? اليس ذلك مؤثرا ?» كان لدينا ضيوف للعشاء. شرب ليوناردو كثيرا وعزف جميع مؤلفات باخ من الثلاثيات الفردية . (solo suite) كان مختلفا عن عادته وكأنما كبر حجمه وثقل وزنه ورقت عشرته وترنح ثملا كاللوردات. كان عزفه رديئا ولكنه جميل. جلست هيلينا هناك في الظلمة مشرقة. لم أر في حياتى شيئا كهذا. غادر الضيوف متعبين وكئيبين. ذهبنا انا وانت في نزهة في الظلام. اخذت تتحدثين عن رحلة رائعة قمت بها إلى كينيا, أو أى مكان آخر, في الحقيقة لم اكن استمع. كنت افكر في ذينك الشخصين. عندما عدنا إلى المنزل كانا لا يزالان يجلسان في المكان الذي تركناهما فيه يحتل كل منهما احد اطراف الغرفة. النار والشموع كادت تنطفئ. رأيت ليوناردو يبكى. لم يبذل أدنى جهد لإخفاء اساه. اخفت هيلينا مشاعرها بشكل افضل فيما هى تحدثنا عن هذا وذاك بصوت تقريرى هادئ. ذهبت انت إلى سريرك وكان على أن اساعد ليو ليصعد السلم. توقفنا خارج باب غرفة النوم, ادار وجهه ونظر إلى قائلا : «تخيلى, هنالك فراشة ترفرف بجناحيها على النافذة.» عندما عدت إلى هيلينا كانت تجلس مستقيمة في كرسيها, مسترخية وهادئة. لم يعد هنالك اثر لمرضها. لن انسى أبدا وجهها يا اماه, لن انسى وجهها مطلقا . في اليوم التالى غادرت إلى جنيف قبل اربعة ايام من الموعد الذي اتفقنا عليه. كانت هنالك عاصفة ثلجية. الغيت الخدمات الجوية, ولكنك تمكنت من تأمين مضجع على معد ية. اوصلتك بالسيارة إلى الميناء. قبل أن تصعدى إلى المعدية قلت بشكل عفوى: «طلبت من ليوناردو ان يبقى لمدة اطول يبدو أن هذا يفيد هيلينا.» ابتسمت وتعانقنا, فجأة أصبح ليوناردو قلقا وتعيسا . كان شارد الذهن فظا فيما جلس يعمل في عليته. صباح عيد الفصح كان ثملا وسقط إلى أسفل السلم. جعله هذا في وضع نفسي افضل. ذهب في نزهة طويلة تحت المطر, وعندما عاد كان قد استعاد وعيه. صعد إلى هيلينا وقال ان عليه ان يغادر خلال بضع ساعات, وانهما سوف يلتقيان مرة ثانية, وانه يرغب في اهدائها سيرة موزارت كتذكار. ثم طلب مكالمة هاتفية إلى جنيف وتحدث اليك لمدة نصف ساعة... وفي المساء نفسه غادر على متن آخر طائرة. استيقظت خلال الليل على صوت رهيب. كانت هيلينا تبكي. دخلت إليها. كانت تشكو من آلام رهيبة في وركها وساقها اليمنى. لم تظن انه سيكون بمقدورها تحمل هذا الألم حتى الصباح. اعطيتها كل المسكنات التي وجدتها والتي لم يكن لها اي تأثير. في الخامسة صباحا اضطررت إلى الاتصال بسيارة الاسعاف.

شارلوت: إذا كان خطأي, أن هيلينا سقطت مريضة.

ايفا: اعتقد ذلك.

شارلوت: تريدين أن تقولى أن مرض هيلينا...

ايفا: نعم.

شارلوت: انت لا تعنين ذلك جد يا ......

(تصمت ايفا, لا تتمكن شارلوت من الكلام.)

ايفا: لقد هجرتها وهي في العام الأول من العمر. واستمررت في هجراننا, انا وهى, طوال الوقت. عند تطور مرض هيلينا إلى مستوى خطير, ارسلتها إلى منزل لرعاية الإعاقة المزمنة.

شارلوت: لا يمكن أن يكون صحيحا انك...

ايفا: (بهدوء) ما الذي لا يمكن ان يكون صحيحا ? إذا كان عندك ما يثبت العكس دعيني اسمعه. انظري الي , يا أماه. انظري إلى هيلينا. ليس هنالك من اعذار يا اماه. هنالك فقط حقيقة واحدة وكذبة واحدة. لا يمكن ان تكون هنالك مغفرة.

شارلوت: لم اتعم د ان...

ايفا: كلا, لا اعتقد انك فعلت.

شارلوت: إذا لا يمكن لك ان تلوميني.

ايفا: تتوقعين دائما ان يكون هنالك استثناء من اجلك.

لقد صممت نوعا من نظام التخفيضات مع الحياة, ولكن في يوم من الأيام سوف ترين مجبرة ان اتفاقك كان من جانب واحد. سوف تضطرين لأن تدركى كم انك مذنبة, مثل أي انسان آخر.

شارلوت: مذنبة بأي ذنب?

ايفا: لا أدري, مذنبة.

شارلوت: بصورة مطلقة?

(ايفا لا تجيب)

شارلوت: الا تأتين الى ? الا تضعين ذراعيك حولي? انا في اشد الخوف يا عزيزتي. ألن تسامحيني لكل الاساءات التي قمت بها? سوف احاول ان اصلح اساليبي. يجب ان تعلميني. سوف يكون بيننا أحاديث مطولة, مطولة, جدا . ولكن ساعديني. لا استطيع الاستمرار اكثر من ذلك, فكراهيتك رهيبة جدا . انا لم افهم. كنت انانية, طفولية ومتحفزة. لامسي جسدي على الأقل ?! اضربيني إن شئت! ايفا عزيزتى, ساعديني!

(ت سمع صرخة في البيت الساكن. هيلينا تنادي امها. تهرع الامرأتان إلى القاعة اعلى السلم المعتم. تصل ايفا أولا ولكن اختها تدفعها بعيدا , وتمد ذراعيها لوالدتها. شارلوت تضغط رأسها على حضن الفتاة المريضة)

(17)

شارلوت: (على الهاتف) بول, عزيزى, آسفة لأننى اتصلت بك في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح. يجب أن اتكلم بصوت خافت حتى لا يسمعني أحد. هل تسدي لي معروفا كبيرا ? عندما تصل إلى مكتبك, أرجوك أن ترسل لي برقية تقول فيها انني يجب ان اذهب إلى باريس فورا , أو إلى اي مكان ملعون ترتأيه. لا استطيع تحمل الوضع هنا يوما آخر, ولكنني لا استطيع ان اغادر هكذا. يجب أن يكون لدى سبب. اخترع اى ذريعة يا عزيزي بول. انت فنان في اختراع القصص السحرية. يجب أن اذهب الآن, ان المكالمة مكلفة جدا ايضا . مع السلامة يا عزيزي. لطيف منك ان تساعدنيى.

(تزحف شارلوت عائدة إلى غرفتها وتغلق الباب. تسمع ايفا من مكان غير مرئي المكالمة التليفونية.)

(18)

شارلوت: (في القطار) كان لطيفا منك يا بول ان تأتى معى إلى بريتانى. ما كنت لأتحمل البقاء وحيدة. اعتقد انني اصبت بصدمة خفيفة هناك في بيندال. كانت ابنتى هيلينا هناك, دون توق ع, وكانت اكثر مرضا من اية مرة أخرى. لماذا لا تموت? هل تعتقد يا بول ان كلامي هذا ينم عن قسوة شديدة? انت تعرفنى جيدا أليس كذلك? لم اخذلك يوما ولم الغ حفلة موسيقية. يمكنك الاعتماد على أليس كذلك?

ايفا: (لوحدها) على ان اقوم بتعزية نفسي. لا استطيع دائما الركون لأن يكون الناس بجانبي عندما أكون بائسة. في الواقع, علينا أن ننتحب دائما بصمت في بعض الاحيان كيلا يسمعنا احد.

شارلوت: (في القطار) بول, اصغ إلى للحظة. كلا لا تسقط نائما . يقول النق اد دوما انني موسيقية كريمة النفس. لا أحد يمكنه ان يعزف بيانو كونشرتو شوبان بصورة اكثر دفئا , أو سوناتا برامز الكبيرة. أنا لست لئيمة مع نفسى, أو انني كذلك? كل هذه الافكار الغبية تتسابق فجأة دائرة في رأسى. بول, انت لا توافقني الرأي لمجر د انك لا تريد تحمل عناء معارضتي?

ايفا: (لوحدها) مسكينة هذه الأم الصغيرة وهى مندفعة على هذه الصورة. لكم بدت خائفة, ولكم بدت فجأة كبيرة ومنهكة. لقد تقلص وجهها واحم ر انفها من البكاء. الآن لن اراها مرة اخرى. جعلتها تفر مرعوبة.

شارلوت: (في القطار) بول! هل ترى تلك القرية الصغيرة? لقد اضاءت انوار المنازل, ومضى الناس يؤدون واجباتهم المسائية, بعضهم يهيئ طعام العشاء, الاولاد يجهزون فروضهم المدرسية. احس انني معزولة كليا, واشعر بحنين جارف دائم إلى البيت, ولكن عندما اصبح في البيت ادرك أن ما أتوق اليه هو شيء آخر.

ايفا: (لوحدها) سرعان ما سيهبط الظلام وقد ازداد البرد. يجب أن اذهب إلى البيت لأجهز العشاء لفيكتور وهيلينا. لا يمكنني ان أموت الآن. انني اخشى الانتحار. ربما يريدني وعندئذ سوف يحررني من سجني. علي أن اكون مهيأة.

شارلوت: (في القطار) اتعرف يا بول, إن ابنتى هيلينا تمتلك عينين جميلتين, صافيتين وبراقتين. تملك عيني جوزيف, وعندما امسك رأسها بين يدي يمكنها ان تركزه ما. كيف تستطيع ان تتعايش مع عذابها? لقد كانت حياتى رائعة اجمالا , ولكن حياتها? سارت الامور بالنسبة لي سيرا حسنا يا بول. اشعر بقليل من الاكتئاب بالطبع, ولا يزعجني ان يكون لد ي بعض الملكية, ولكن في نفس الوقت اشعر انه لا بأس بي. لا أستطيع الاهتمام بالمعرفة الشخصية. علي ان احيا بدونها.

ايفا: (تراجع نفسها) هل تربتين على وجنتي? هل تهمسين في اذني? هل انت معي الآن? لن نترك بعضنا ابدا .

شارلوت: (تبتسم) انت روح رقيقة يا بول. ماذا كنت سأفعل بدونك, وماذا كنت ستفعل بدوني? أنت تعلم الاوقات العصيبة التي مررت بها مع عازفي الكمان الذين يعملون معك, وكيف يتذمرون. وفكر أيضا بضجيج النشاز المزعج الذي يحدثونه اثناء التمرين.

ايفا: هنالك ضوء في غرفة هيلينا. فيكتور هناك يتكلم معها. هذا أمر حسن. كم هو لطيف - إنه يخبرها ان امنا قد رحلت.

(19)

فيكتور: هيلينا, هنالك شيء يتوجب علي ان اخبرك به. غادرت شارلوت هذا الصباح. لم نود ايقاظك. كنت مستغرقة في نوم عميق بفعل هذه الحبوب, وكان الليل يثير الاكتئاب. ولذلك, كما اسلفت, لم نشأ ايقاظك.

(تقول هيلينا شيئا)

فيكتور: والدتك تبعث تحيات حب ها. كانت مضطربة وبائسة, وكانت تبكى.

(تقول هيلينا شيئا )

فيكتور: ذهبت ايفا تتمشى في الغسق. انها هادئة تماما وأقرب إلى المرح. اعتقد انها سعيدة لمغادرة شارلوت.

(تقول هيلينا شيئا )

فيكتور: هيلينا يا اعز الناس, لست أدري. كانت تتط لع بشوق إلى هذا اللقاء مع والدتها. كانت تأمل الكثير. لم اجرؤ على تحذيرها. وهكذا ساء الأمر.

(هيلينا تقول شيئا بصعوبة كبيرة)

فيكتور: لا استطيع أن افهم ما تقولين.

(ترتجف, هيلينا, وتكرر سؤالها)

فيكتور: قلت انك تريدين ان............ ما الذي تريدين?

(هيلينا باضطراب اشد, تقول نفسي الشئ)

فيكتور: يجب ان تتكلمى بهدوء يا عزيزتى هيلينا, وإلا فلن استطيع بأى حال ان افهمك.

(تبدأ هيلينا بالصراخ. تهتز بتشنجات عنيفة متزايدة. جمل متقطعة ت سمع بين الصرخات. تعض على شفتيها الى ان تنزفا. عيناها تتوس لان).

فيكتور: ايفا! أحضرى حالا ! اصيبت هيلينا بنوبة! اسرعى!

(صرخات هيلينا تزداد حد ة ولا انسانية. تترنح بعنف في المقعد فينقلب وتسقط أرضا .

يتقلص الجسد, تمتد الذراعان إلى الامام, يسيل من فمها زبد ابيض ودم. تدخل ايفا, وتحاول مع فيكتور عبثا تهدئة هيلينا فيما يحشران الدواء بين اسنانها المطبقة)

(الخاتمة)

فيكتور: اقف هنا احيانا انظر إلى زوجتي خلسة. انها في حالة اكتئاب شديد. كانت الليالي القليلة الماضية رهيبة. لم يكن باستطاعتها النوم. تقول انها لن تستطيع ابدا ان تغفر لنفسها انها دفعت والدتها إلى المغادرة. لو انني استطيع فقط ان اتحدث اليها, ولكن هذا كله ماهو الا مجموعة كلمات غبراء وجمل فارغة. كان على ان اقف انظر الى عذابها دون ان يكون بمقدوري مساعدتها.

ايفا: هل انت خارج?

فيكتور: سأذهب فقط إلى مكتب البريد لأحضر رزمة من الكتب.

ايفا: كن لطيفا وارسل لي هذه الرسالة في نفس الوقت.

فيكتور: بكل سرور. آه أنها لشارلوت!

ايفا: يمكنك ان تقرأها ان اردت. سأصعد إلى لينا برهة.

فيكتور: (يقرأ) «ادركت إنني قد اسأت اليك. بادرتك بالمطالب بدلا من العاطفة. عذ بتك بكراهية قديمة مريرة لم تعد حقيقية. كل ما فعلته كان خطأ واريد ان اطلب مغفرتك. ان حدس هيلينا اقوى كثيرا من حدسي. لقد اعطت بينما كنت انا متطلبة. كانت قريبة منك فيما ظللت انا بعيدة. وفجأة تبدي لي انه على ان اعتنى بك, وان ما فات قد فات. وانني لن اتخلى عنك ثانية. لن اتركك لوحدك مرة أخرى. لست ادري إذا كانت هذه الرسالة ستصلك, ولا اعرف حتى إن كنت ستقرأينها. ربما كان كل شيء قد فات عليه الزمن. ولكنني آمل على اي حال الا يكون اكتشافي بلا فائدة. هناك نوع من الرحمة في النهاية. أعني الفرصة الكبيرة لان نعتنى ببعضنا البعض, لأن نساعد بعضنا البعض, ولأن نفصح عن عاطفتنا. اريدك ان تعلمي انني لن ادعك أبدا تذهبين ثانية, ولن ادعك تختفين من حياتي. سوف اظل على تصميمي, ولن استسلم, حتى ولو كان الوقت قد فات. لا اعتقد ان الوقت قد فات. لا يجوز ان يكون قد فات«


--------------------------------------------------------------------------------

وجها لوجه

الصور المرافقة

انجمار برجمان
مها لطفي (كاتبة ومترجمة من لبنان)


--------------------------------------------------------------------------------


أعزائي زملاء العمل...

سنقوم بعمل فيلم يدور بشكل ما حول محاولة انتحار.. عمليا هو يتعلق كنت سأقول(كالمعتاد) بالحياة. والحب والموت. لأنه في الواقع لا يوجد ما هو اهم من ذلك لنشغل بالنا به ونفكر فيه. أن نقلق بسببه وأن نسعد من أجله.. وهكذا.

لو سألني انسان صادق عن سبب كتابتي لهذا الفيلم لما استطعت أن أجيبه اجابة واضحة ومباشرة وأظل محافظا على مصداقيتي.

أخذت مذ فترة من الزمن أعاني قلقا غير مبرر. كان يتعبني مثلما يتعب ألم الضرس الذي لم يجد له طبيب الأسنان سببا لا في تركيبة الضرس نفسه ولا في المريض المتألم.

أعطيت قلقي بضعة عناوين كل واحد منها أقل إقناعا من الآخر. قررت أن أبدأ البحث بطريقة منهجية.

شخصية أخرى بتقلباتها جاءت لتساعدني. وجدت تشابها بين تجاربها وتجاري غيرأن ظروفها كانت أبرز وأوضح من ظروفي واكثر مدعاة للألم.

وهكذا بدأت الشخصية الرئيسية في فيلمنا تأخذ شكلا: شخصية ذات مركز جيد" إمكانياتها كبيرة منظمة، ورفيعه المستوى في مهنتها. ومتزوجة زواجا مريحا من أحد زملائها. محاطة بكل ما ندعوه "أشياء الحياة الخيرة". إن انهيار هذه الشخصية المحترمة الصاعق السريع وولادتها الجديدة المؤلمة جدا هما ما حاولت أن أصفه.

ولقد استطعت، باستخدام ما لدي من مادة كأساس. أن أظهر أسباب الكارثة، وكذلك الإمكانيات المتاحة لهذه المرأة في المستقبل. بالنسبة لي فقد استفد ت استفادة كبيرة من هذه العملية، العذاب. الذي سبق أن تفشى، أصبح له اسم وعنوان. وبذلك فقد حرم من اشعاعه ويقظته. فإذا كانت هذه الأنشودة بإمكانها أن تكون ذات فائدة أيضا لإنسان آخر فلن يضيع جهدنا.

عندما نتابع بالنظر أحد معارفنا المقربين أو البعيدين بابتسامة شريرة أو شفوقة فهذا ليس شيئا سيئا أيضا. لأنه يمكن أن يتضمن مقارنات تقوينا حين نقيس تمايزنا ببؤس الآخرين.

في الواقع ليس هنالك أيضا أي ضرر في أن نسلي أنفسنا بضع ساعات. الممثلون الوسيمون الموهوبون الذين يصورون بشكل معقول المواقف الحزينة. والمأساوية والمسلية, هم دائما يسعدون الآخرين مهما كانت تلك التعقيدات مؤلمة.

من جهة ثانية، فالسأم واللامبالاة يؤثران على صاغ الفيلم بطريقة رهيبة، وعندئذ يكون من العدل في تلك الحالة أن يلحقه العار, ويسخر منه علانية فيصبح ضحية خسارة مالية ضخمة.

ماذا أقول أكثر من ذلك؟ آه نعم، فكما ترون حجم هذا الكتاب فإن الفيلم سيكون طويلا في النهاية. بضعة كيلومترات تقريبا. حاولت عبثا أن أكثفه ولكن لكل شئ حجمه، وقد تعلمت أن أكون حذرا بشأن التدخل في حركات شخصياتي وحوارهم و الأ أقودهم في ذلك. عندما نقوم بالتدريب نجد نقاطا يتضح أنها أوضح من اللازم أو غير ضرورية.

الجزء، الأول (في الفيلم واقي بشكل متحذلق ملموس. الجزء الثاني محير غير ملموس: "أحلام" واقعية أكثر من الواقع. فيما يتعلق بذلك دعي أضيف تعليقا غريبا. "أنا أشك كثيرا بالأحلام والروى والتخيلات في الأدب والأفلام والمسرحيات". لأن العقلانية الزائدة لهذه الأمور تزخر باللاعفوية والترتيب المسبق. لذلك فعندما أنقل سلسلة من الأحلام. رغم معارضتي وشكي، والتي هي بالاضافة الى ذلك ليست أخلاقي. فإنني أحب أن أفكر بأن هذه" الأحلام هي امتداد للواقع كذلك فهذه سلسلة؟ الأحداث الواقعية التي تصيب الشخصية الرئيسية خلال فترة هامة في حياتها. هناك شيء ذو دلالة يحدث. فبالرغم من أن جني هي طبيبة نفسية فهي لم تأخذ هذا الامتداد الواقعي بجدية. رغم معرفتها الواسعه، فإنها الى حد كبير أمية في تفكيرها داء منتشر بين الأطباء النفسانيين يمكن اعتبار هذا المرض مرضا وظيفيا. كانت جيني مقتنعة بشدة بأن الجبن هو الجبن والطاولة هي الطاولة، وطبعا ليس أقلها أهمية أن الانسان هو الانسان. هذه القناعة الأخيرة هي أحد الأشياء التي سوف تضطر الى تعديلها بطريقة مؤلمة عندما تدرك بومضة عين أنها هي نفسها مجرد مزيج, الآخرين ككل. وبصراحة لست أدري إذا كان بمقدورها أن تتحمل إدراكها هذا.

في تلك الحالة يبقى بديل ضعيف جدا ووحيد: أن تعود الى ما نسميه، من أجل البساطة والأمان. جيي ايزاكسون، مزيج خانق ساكن من الصفات المرسومة والنماذج المختلفة للتصرفات.

ومن ناحية ثانية، فإذا ما قبلت معرفتها الجديدة فإنها تترك نفسها تنساق بعيدا وبعيدا نحو مركز عالمها يقودها ضوء حدسها الى رحلة اكتشاف سوف تكشفها في آن الى الناس الآخرين في تصاميم لا نهاية لها.

هنالك بديل يؤكد: اللانهائية تصبح غير محتملة، الآلية تتكسر تحت صعوبات الرحلة، يصيبها التعب من تزايد اتساع بعد نظرها ومن الملل الذي تسببه مثل هذه البصيرة. تتعب وتطفئ النور في اليقين الذي تجله بأنها إذا ما أطفأته النور فسيحل الظلام على أي حال - والهدوء.

أعتقد أنه من المهم أننا قلنا كل هذا نظرا لما له من أهمية إزاء موقفا من الفيلم الذي سنصنعه إنسانيا وفنيا.

أقصد أن نوع الفيلم الذي سنباشر عمله يقدم احتمالات خطيرة فنيا لا مكانية تدفق الأفكار في نوع من الإسهال الفكري - فأن نقرر في كل لحظة ما هو صواب وصادق وملائم يمكن أن يكون نوعا ما خداعا.

وكذلك فالجهد المبذول لا يجوز أن يكون ملحوظا. كل شئ يجب أن يعطى انطباعا بأنه طبيعي ومع ذلك يكون ممكنا أن نخلقه من مصادر مادتنا المحدودة. لننطلق إذن في مغامرة جديدة.:

المشهد هو العيادة النفعية في المستشفى العام. بعد الظهر من منتصف شهر يونيو / حزيران.

آخر مريضة عند جيني ذلك اليوم هي ماريا. واضح أنها كانت تبكي. تجلس محدودبة وذراعاها متدليتان على الجانبين. شعرها الأسود ينسدل على كفيها كثيفا ومتشابكا.. ووجهها الجميل وارما تكسوه البقع. تحملق جيني في عنصر الزينة الوحيد في الغرفة البيضاء العارية: لوحة زيتية بغيضة، ربما تكون هدية من أحد المرضى ذوى الميول الفنية، وهى تزيد من خواء الغرفة.

جيني: (بعد انتظار طويل) نحن نجلس هكذا منذ نصف ساعة. يجب أن أذهب سريعا وستكون لدينا فرصة أخرى للكلام يوم الاثنين.

ماريا: آه، تعالى.

جيني: لا أدري ما تعنين.

ماريا: أنت تعلمين جيدا أنني قد فقدت حشوة ضرس.

جيني: كلا، لا أعلم.

ماريا: البارحة حضرت الممرضة و اخبرتني أنه يتوجب على الذهاب إلى طبيب الأسنان.

جيني: حسنا.

ماريا: أنت التي رتبت هذا الأمر اليس كذلك؟

جيني: صدقا، لا أدري ما الذي تتكلمين عنه. تنهض ماريا ببطء. وجهها شاحب جدا وعيونها يسكنها غضب كامن. تبصق في وجه جيني. تبقى جيني جالسة وتبدو عليها سيماء المفاجأة أكثر من الاضطراب.

جيني: اجلسي ودعينا نقلب هذا الموضوع.

(بسرعة البرق تمسك ماريا ملف أوراق موضوعا على الطاولة وتهوى به على رأس جيني بكل ما أوتيت من قوة. ترفع جيني يديها في الوقت المناسب لتبعد عن نفسها هذه الضربة).

جيني: (بغضب) لا تكوني غبية.

تتناثر محتويات الملف في مختلف أرجاء الأرضية. تمسك جيني بقبضتها كتف ماريا وتدفعها نحو أحد الكراسي.

جيني: ( بغضب) اهدئي واجلسي يا ماريا !

(تهدأ ماريا وتريح ظهرها على الكرسي وهى تنظر إلى جيني بتعبير جريح "تجلس جيني بقربها على كرسى أصفر خشبي).

جيني: إنك دائما تتذرعين بأسباب.

(ولكن نبرتها لم تعد عدائية. ترفع ذراعها وتريحها أولا على جبهتها ثم تصلب ذراعيها فوق رأسها كطفل مكتئب).

جيني: اعتقد انني أرسلتك إلى طبيب الأسنان كي يعطيك حقنة اليس كذلك؟ مسكن. أليس كذلك يا ماريا.

ماريا: سألت الممرضة فقالت لي قد اضطر لأخذ حقنة، وعندما قلت انني اعتقد أنها ليست ضرورية لأن الجذر كان تم حشوه، قالت من الأفضل أن اهيئ نفسي لحقنة على أي حال.

جيني: انت التي اختلقت كل هذا. لقد وعدتك الا تعطي أية حقن أو حبوب وأنا سأحافظ على كلمتي.

ماريا: اتريدين أن تعرفي ما هو خطؤك الخادع. حسنا، سأقول لك لأنني استنتجه. أنت غير قادرة على الحب! وما أعنيه بالحب هو الحب وليس ممارسة الجنس، ولو انني أشك بقدرتك على ممارسته.

هل تعلمين ما انت؟ انت تقريبا إنسانه غير حقيقية. حاولت أن أحبك كما انت لأنني اعتقدت انني اذا ما أحببت جيني باصرار عندئذ ربما سوف تصبح أكثر حقيقية، وأعني أقل اضطرابا وأكثر ثقة بالنفس. حسنا، ان الناس تفعل ذلك، أليس كذلك، عندما يعرفون أنهم محبوبون وحتى لو كان الذي يحبهم كلب. لكن لا أمل يرجى !

تنظر جيني بعيونها الكبيرة الزرقاء الرائعة الجمال، أجمل عيون في العالم، وكل ما أراه هو اضطرابها. ألم تحبى أحدا في حياتك ياجيني؟ (تضحك وتمد يدها وتضعها على فخذ جيني) ماذا تقولين اذا ما رفعت يدي وصفعت خدك؟ ماذا تقولين اذا ما خفضت يدي وبدأت بمداعبة صدرك؟ ماذا تقولين إذا.... إذا خفضت يدي أخر وبدأت بمداعبتك بين الساقين؟

جيني: انت لطيفة حقا ومقنعة جدا. ولكن عليك أن تتذكري أن على الطبيب فى معالجة هذه الحالة بعينها. المشكلة الكبيرة والتي لم يوجد لها حل حتى الآن هي كيف نتجنب التورط بين الطبيب والمريض.

ماريا: (بعد وقفة قصيرة) هل تحبين أن تكوني قاسية أثناء تأدية المهنة.

جيني: الآن بدأت وضع الأمور في نصابها. انت تعرفين كما أعرف أنا ان العلاقة لن تفيد كلينا.

ماريا: على أي حال في النهاية ستخونينني.

جيني: ماذا تعنين " أخونك"؟ أنا طبيبتك وأنا أحاول أن أشفيك. أنها مسؤوليتي أن أجد الوسيلة لذلك.

ماريا: (مسرعة) هل انت متأكدة من ذلك؟ اعني أليس من الضروري أن نتشارك في تحمل المسؤولية.

جيني: هذا كلام لا يوصل إلى نتيجة.

ماريا: اعني اليس علينا تقاسم المسؤولية والمخاطرة في آن؟ لماذا اتحمل أنا المخاطرة وانت تأخذين على عاتقك الشئ الغامض غير المؤذى الذي يسمى المسؤولية؟

جيني: هذا غير ممكن عمليا.

ماريا: لم لا؟

جيني: مثل هذه الاختبارات جربت من قبل وكان نجاحها محدودا.

ماريا: نجاحها محدود. انت رائعة !

جيني: ماذا تفعلين الآن؟

ماريا: (بهدوء) إذا لن تمارسى فعل الحب معى؟

جيني: (مبتسمة) كلا، طبعا لن افعل. ولكن إذا ما كنت ترغبين في الاستمرار بمحاولتي علاجك فأنا سأفعل كل ما في وسعى بسعادة.

ماريا: انظري إلى لمدة دقيقة. كلا. انظري فعلأ. انظري في عيوني يا جيني. ماذا ترين؟

جيني: أرى انك تحاولين تمثيل دور ما.

ماريا: ماذا أمثل؟

جيني: الكرب. الخوف. الكرب على ما اعتقد.

ماريا: وماذا امثل الآن؟ انظري جيدا.

جيني: لا اعرف.

ماريا: كنت اقلدك.

(ضحكات)

جيني: لا استطيع أن أقول ذلك.

ماريا. كلا لا تستطيعين. (تتوقف) مسكينة ياجيني.

جيني: ليس هنالك ما يدعو للشفقة على.

ماريا: كلا، طبعا لا. انني أنا المدعاة للشفقة. الا تعتقدين أن الطقس رطب وحار؟

جيني: كان يبدو وكأن عاصفة تلوح في الأفق بعد الظهر.

ماريا: الا تشعرين أحيانا انك عاجزة، فاقدة الأمل والقوة بسبب عجزك.

جيني: ماذا تعنين.

ماريا: اعني كطبيبة نفسية.

جيني: لا اعتقد ذلك.

ماريا: أنا متأكدة أنه على الصفحة الأولى من كتابك الدراسي الأول قيل أن الطبيبة النفعية لا يجوز إطلاقا أن تشعر بالعجز واليأس، وأن تكون ضعيفة خائرة القوى. وإذا ما شعرت خلافا لأية قواعد بأنها عاجزة خائرة القوى فعليها الا تعترف بذلك. الا يوجد هذا على أول صفحة من كتابك الدراسي الرئيسي؟

جيني: نعم، أنها تقول ذلك فعلا.

(تحاول ماريا تقبيل جيني ولكنها تدفعها بعيدا. ثم تبدأ ماريا بالضحك. تهز رأسها وتضحك. تنحني لتلتقط الأوراق المبعثرة على الأرض. تدفعها جيني جانبا وتلتقطها بنفسها. فجأة تغادر ماريا الغرفة وتفلق الباب دون إحداث أي صوت. تجلس جيني على الكرسي الأصفر وهى ترتجف).

في تلك الأمسية العاصفة من شهر يونيو تنتقل جيني إلى منزل جديها. أنهما يسكنان شقة فسيحة من طراز قديم في شارع هادئ بالقرب من حديقة عامة تحدها مياه فسيحة ولها ممرات مورقة بالقرب من المياه. وعلى الجانب الآخر هنالك كنيسة من العصر الفكتورى يرسل برجها العالي النحيل ظلاله على طول الشارع في الصباح الصيفي المبكر.

وفى هذا المساء بالذات تبدو البلدة مهجورة، فلا تجد جيني عناء في إيجاد موقف لسيارتها مباشرة عند المدخل المزخرف لبناء المنزل.

تدخل إلى الرواق بأناقته الرصينة التي أصبحت رثة بفعل الزمن: درج رخامي " سياج سلم نحاس، بساط أحمر سميك، زجاج شبابيك معشق لوحات على الجدران، موزاييك على الأرضية، حاملات مصابيح جدارية مميزة الشكل ترسل ضوءا موحشا على كل هذا البهاء.

قفص المصعد يرسل صريرا وهو يهبط ويتوقف متنهدا. يفتح باب المطعم جانبا وتظهر امرأة ضخمة متدثرة كليا بالسواد تتلمس طريقها إلى الخارج. تحمل بمقبضها عصاة بيضاء. توقف جيني فجأة اندفاعها لتساعد السيدة العجوز، فهي تبدو وكأنها في منزلها. بعد أن وقفت على أرض ثابتة "سارت بسرعة مذهلة نحو السلالم، تمسك باسياج بلا تردد وتبدأ نزولها نحو باب الشارع.

تدور إلى الخلف وكأنها تدرك أن هنالك من يراقبها. وجهها قوى وشاحب جدا. محجر عينها اليمنى محملقا أجوف. عندما تشاهدجيني تبتسم ابتسامة خابية وتدور باتجاه الباب الذي تفتحه دون أدنى صعوبة.

(الجدة امرأة مليئة بالحيوية وسيمة ذات عينين صافيتين وخدين لا يزالان أملسين موردين. تعانق حفيدتها بسعادة). الجدة. لو تعلمين كم أنا سعيدة برؤيتك ! أنا وجدك أصابتنا نشوة مفاجئة طوال اليوم. تعالى معي لأريك. وضعتك في غرفة كارين. لن تنزعجي هناك. والآن وفى فصل الصيف لا يصدر أي صوت عن الشارع. هل تفضلين وسادة أقسى؟ على ما أتذكر أنك..

جيني: كلا، شكرا يا جدتي هذا جيد.

الجدة: دعيني أرى الآن... لقد اخليت لك المكتب وإحدى الخزائن. استطيع أن أخلى الأخرى أيضا اذا لم يكن لديك متسع من المكان. أنها ملابس صيفية قديمة فحسب. لا أدري لم هي مازالت هنا. من الأفضل أن....

جيني: جدتي الحبيبة خزانة ومكتب أكثر من كاف. الجدة: اذا كنت بحاجة الى طاولة كتابة أكبر استطيع إدخال تلك الموجودة في غرفة كارل. من المستبعد حضوره هذا الصيف، وربما انت...

جيني: استطيع أن اتدبر أمري بهذه الطاولة.

الجدة: عديني أن تقولي لي إذا ما احتجت شيئا. أنا وجدك كنا ننتظر حضورك.

جيني: وأنا كذلك.

الجدة: والآن دعينا نذهب ونحيى جدك.

جيني: كيف حاله.

الجدة. اعتقد أنه أحسن ( تضحك ضحكة صغيرة) تعلمين أنه قد أصبح ظريفا جدا.

(دخول غرفة استقبال الجد والجدة مثل دخول العالم الذي مات بانتهاء الحرب العالمية الأولى. الستائر، كل ما هو معلق " البسط، المفروشات، الصور، حاملات المصابيح الجدارية الدائرية. الأبواب الفرنسية العالية، الساعة النحاسية، المدفأة المفتوحة، المرايا، التماثيل النصفية الصغيرة، أعداد لا تحصى من صور الأولاد والأحفاد والأصدقاء والأقارب. أواني الزهور وأصص النباتات.. كل شىء هنا يعيش حياته الهادئة الوديعة في ضوء النهار المريح للنظر وغسق الأماسى الطويلة. يجلس الجد في كرسى كبير مريح، الدلالة الوحيدة على مرضه السابق شحوبه. وهو نظيف الثياب حليق الذقن. الى جانب الكرسي طاولة منخفضة تتراكم عليها الكتب والجرائد والألبومات، وكذلك كأس من الشراب الصافى. مد الجد يده وأخذ يقرب جيني اليه، وبينما هما يتعانقان تنزلق نظارته الى الأسفل بصورة معوجة. تبدو على الاثنين علائم التأثر).

جيني: مرحبا يا جدي ! جئت لامكث فترة شهرين. ايريك يهديك السلام. انه في شيكاغو يتابع أعمال مؤتمر. لقد تكلمت معه على الهاتف وقال أن لديه الكثير ليخبرك به. جدتي تقول إنك تشعر بتحسن وهذا يبدو عليك. سوف تشرب فنجانا من الشاي معنا، أليس كذلك؟

(تعطيه الجده الشاى على صينية صغيرة تضعها على ذراع الكرسي. وعلى صحن شريحتان من الخبز المحمص مدهونتان بالمربى).

الجدة: وكيف حال أنا الصغيرة؟

جيني: ذهبت البارحة الى مخيم فروسية وما لبثت أن وقعت في حب فتى يكبرها بثلاثة أعوام. يخبرها عن ثورة العالم. والأمور على أحسن ما يرام.

الجدة: هل الولد في نفس المخيم أيضا؟

جيني: جدتي العزيزة لا تحملي هما. أنا اتمت الرابعة عشرة وتستطيع أن تعتني بنفسها.

الجدة: هل تأخذين سكرا؟

جيني: نعم شكرا. ثلاث قطع. جدتي ! هل صنعت الفطائر المستديرة: في الوقت الذي قررت اتباع نظام غذائي خاص.

الجدة: لم اسمع شيئا أغبي من هذا.

جيني: على أي حال بعد مخيم الفروسية ستذهب أنا لتمكث مع صديقتها المفضلة سكاين، ولن تعود للمنزل حتى بدء المدرسة.

الجدة: ومتى سيكون البيت الجديد جاهزا للانتقال اليه؟

جيني: أتمنى أن يكون ذلك عند بداية أغسطس. لقد أقسم البناؤون بالكتاب المقدس. لا أحد يعرف على أي حال. الجدة: وستنشغلين طوال فترة الصيف.

جيني: نعم.

الجدة: ألن تأخذي أية اجازة إطلاقا؟

جيني: آه، اريك وأنا قد نذهب إلى تيورمينا في أكتوبر. سوف نرى.

الجدة: فقط ما نوع هذا العمل؟

جيني: أنا أخذت مكان المشرف الطبي للعيادة السيكولوجية في المستشفى العام.

الجدة: أرجو أن يكون المردود المالي مرتفعا؟

جيني: نعم، شكرا يا جدتي، المردود المالي جيد. الجدة. كيف ترين عملك؟

جيني: أنا من نوع البشر الذين يحبون ما هم فيه. أنا اشبهك. (الجدة التى انهت شرب شايها بدأت ترخو الجوارب، تلقى النظر على حفيدتها من فوق نظارتها)

الجدة: ما بالك؟

جيني: بالنسبة لي؟ أنا جيدة.

الجدة: هل هناك من خلاف بينك وبين أريك؟

جيني: (تضحك) كلا، قطفا كلا !

الجدة: هنالك شئ على أي حال.

جيني: أنا فقط مضطربة قليلا. لم أشف حتى الآن من تلك الانفلونزا التي أصابتني في الربيع. ربما أكون بحاجة إلى فيتامينات أو ما مشابه ذلك.

يسمع صوت نخير من كرسي الجد. تقف الجدة فورا وتذهب اليه ثم تنادى جيني.

فتح الجد ألبوم صور قديما. هنالك صور من صيف بعيد عندما كانت جيني فتاة صغيرة وكان المنزل الكبير في الأرخبيل، مليئا بالأولاد والكبار.

الجدة:.اعتقد أن هذا كان صيف الثمانية والأربعين. نعم، لا ريب أنه ذلك الصيف لأن جريتا كانت حاملا وراجني كان مولودا في. بداية سبتمبر. كما كان عددنا كثيرا عندئذ! وذلك القارب البائس الذي كان لدينا والذي كان دائما يتحطم. كم كنت ازدريه.

يحيى
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع السيناريو

مُساهمة  يحيى في السبت أكتوبر 31, 2009 3:44 pm

(تقول الجدة هذا على سبيل الإغاظة بينما يبتسم الجد ابتسامة ساخرة. ثم يشير بأصبع طويل نحيل إلى صورة لجيني وهى في الثامنة من العمر.

تقف صغيرة نحيلة جدا ضئيلة تتطلع بسرورإلى الكاميرا، وتمسك رجلا بيدها).

جيني: آه كانت هنالك أسباب لذلك.

الجدة: يحب جدك أن يتذكر هذه الصور القديمة، باستطاعته الجلوس لساعات يتأملها.

(تربت على خده قليلأ وتتابع رفو الجوارب. تبقى جيني واقفة بجانب الكرسي تاركة جدها يغوص في الماضي). في ساعات متاخرة من نفس المساء وجيني لا تستطيع النوم. أخيرا تقوم وتمشى بخطي خافتة نحو المطبخ. تسخن قليلا من الحليب، تأخذ باتيه الكبد ومخلل الخيار من الثلاجة وتضر الزبدة على قطعة من الخبز الطازج، ثم تجلس على طاولة المطبخ الكبيرة. تفتح الراديو الصغير المحمول الموضوع على الرف قرب النافذة فتهدأ نفسها بالاستماع إلى سوناتة لموزارت. وحتى تبعد نفسها أكثر تلتقط مجلة قديمة وتفتحها على الطاولة.

الشباك مفتوح قليلأ على الليل الدافئ. بدأت تمطر وبين الفينة والأخرى يسمع صوت الرعد عن بعد.

يفتح الباب والجدة تختلس النظر إلى الداخل. تلبس ثوبا للخروج أخضر غامقا طويلا. شعرها الذي تتخلله مسحات حمراء جمع بضفيرة كثيفة.

جيني: مرحبا، هل تريدين سندويتشا وبعض الحليب؟ الجدة: كلأ اعتقد انني سوف أصنع لنفسى بعض القهوة. لا شئ يدفعني إلى النوم أكثرمن فنجان من القهوة القوية في مثل هذا الوقت من الليل.

جيني: هل جدي نائم:

الجدة: لمدة خمسين عاما خلت لم اتمكن من التخمين إذا كان جدك نائما أم لا. يذهب إلى السرير ويضع يديه على صدر" ويبدو كالملك في عظمته. وعندئذ من العبث مخاطبته. فهو يدخل إلى داخل نفسه ويفلق الباب.

جيني: ظننت أنه كان يبدو شديد التعب.

الجدة: الشلل تحسن، وفى بعض الأحيان أصبحنا نستطيع المحاورة. ولكن انت تعلمين كم هو قليل الصبر يغضب كثيرا إذا لم تفهمي ما يعنيه.

جيني: كيف تتأقلمين مع كونك ممرضة طوال الوقت؟: آه لا يستطيع أن يصدر الأوامر إلى لمجرد أنه مريض. جيني " الا تتمنين أبدا أن تكوني أكثر حرية؟

الجدة: أن يموت جدك، تعنين؟ أن يكون لدى من أرعاه وأغضب منه وأربت على خده أو مجرد اتكلم معه... شئ مهم.

جيني: اعتقد كذلك أيضا.

الجدة: سأخبرك أمرا. جدك لم يصبح ذلك العالم المشهور كما توقع الجميع. كان عديم الصبر الى أبعد الحدود ومتعاليا. خلال تلك السنوات كنت متعبة من أدائه. في الواقع كدت أن أترك البيت مصطحبة كل الأولاد. كان لا يحتمل.

جيني: ولكنك لم تتركي فعلا؟

الجدة: كلا لم افعل.

جيني: هل حدث شئ خاص؟

(تحتسي الجدة ما تبقى من القهوة وتنظر إلى جيني. تضحك ضحكة قصيرة وكأنها خجلي. جيني التي شعرت لأول مرة منذ سنين بالدفئ والاسترخاء بدأت تضحك أيضا. أخذت يد جدتها)

جيني: اخبريني الآن.

الجدة: واستمررت في الغضب من جدك يوما بعد يوم لأنه كان لا يتوقف عن التذمر من كل شئ من المال وإدارة المنزل وثياب الأولاد ومظهري الخارجي ولا أدري ماذا غير ذلك. كنت متعبة جدا - كان على القيام بمهنة التدريس، وكنا في بداية انتقالنا إلى ايسالإ، وكل شي" في غير موقعه. حسنا، في يوم من الأيام كنت أجرى مسرعة في شارع حاردن إذ كان على أن أذهب إلى المنزل خلال فترة الغداء لسبب ما... آه" نعم " ليندا كانت مصابة بالحصبة وكانت ابنة أمها المدللة.

جيني: وبعد ذلك؟

الجدة:حسنا، تصادف أن نظرت إلى أعلى فوجدته هناك يسير على الجانب الآخر من الشارع. كنت آتية من المدرسة " وكان هو في طريقه إلى شارع كوين " وهكذا كان ظهره إلى ثم استدار عند الزاوية.

جيني: هل كان هنالك شيء خاص في طريقة نظره اليك؟ الجدة: الجد؟ كلا " إطلاقا. كأن يسير برشاقة، ظهرا مستقيم وانفه مرتفع في الهواء كالعادة. نشيط جدا وأنيق وقبعته بزاويتها المتعالية العادية. آه كلا، كان يبدو متشامخا مثل العادة. اتوقع أن تفهمي هذا أكثر منى حيث أنك نلت درجة الدكتوراه بكل التواءات العقل. قد يكون لكل منها اسم لاتيني.

جيني: ليس هنالك أي شئ عن الحب في كتبنا الدراسية.

الجدة: فهمت. همم.. حسنا لا استطيع أن اسميه حبا بالضبط. أنه نوع من التفاهم. فجأة ادركت معنى مختلف الأشياء: حياتي وجدك وحياته ومستقبل الأولاد والحياة) الثانية ولا أدري ماذا؟

جيني: عرفت كل هذا منذ ذلك الحين؟

الجدة: على أن أبذل مجهودا كبيرا لأتذكر كيف شعرت حينئذ.

جيني: كان قديسا من قال، " الحب نعمة إلهية. من يعيش فيها لا يدرك أنه من المختارين. الحب يؤثر في أفعالهم بشكل طبيعي تماما كما تعطى الوردة أريجها والعندليب أغنيته،". اعتقد كان هذا القديس فرنسيس.

الجدة: حالة من النعيم الإلهية؟ نعمة من؟

جيني: للقديس فرنسيس بدون شك.

الجدة: (باحترام) حمنا، هذا فقط معنى للتظاهر. بالنسبة لي الحياة كانت دائما اعتبارات عملية.

جيني: آه، نعم.

الجدة: حسنا، أنه وقت النوم. من الأفضل أن أغلق الشباك خوفا من الرعد والمزيد من المطر.

(تقوم الجدة بسرعة وتقفل النوافذ. يطفئان ضوء المطبخ، ويقبلان بعضهما قبلة التمنيات بليلة هنيئة ويذهبان كل في طريقه. يزداد المطر انهمارا، ويسمع قعقعة على أعالي السقف).

تتمدد جيني على السرير الكبير المريح. تتناول كتابا ولكنها تجد نفسها في غاية النعاس. توقف محاولة القراءة وتطفئ النور. تتثاءب وتستدير على بطنها وتذهب فورا في النوم. تستيقظ ولديها شعور بالشلل، مقابل سريرها في الضوء المتغير الليلى، الذي لا ظلال له تستطيع أن تتبين كتلة لا شكل لها رمادية متدحرجة. الآن أخذت مشكلا، ترتفع وتجمع نفسها. أنها امرأة- مرتديه لونا رماديا. إحدى العينين مقلوعة ومكانها فجوة سوداء وببطء موجع تدير وجهها الرهيب نحو جيني وتحملق فيها. ثم تأخذ بالكلام. الشفتان الرقيقتان السوداوان تشكلان كلمات لا تفهمها جيني، والتعبير المرسوم على وجه السيدة يتبدل إلى تململ قاس. بجهد كبير تبدأ برفع نفسها عن المقعد وهى تنظر نظرة ثابتة إلى جيني التي تبادلها النظرة رغم أنها مازالت مشلولة عن الحركة. الآن تقف المرأة على الأرض وجهها يشوهه الغضب. تقترب من السرير بحركات متدفقة غير حقيقية. تحاول جيني الصراخ ولكنها لا تستطيع أن تخرج أي صوت. عندئذ فقط تختفي الرؤيا وتستيقظ. تضيئ النور، وتجلس لفترة طويلة مقيدة إلى السرير. تمطر بشدة وضوء رمادي يتشكل على مصراع النافذة. الوقت الثالثة والنصف صباحا. تنهض من السرير ويأخذ تخطو ذهابا وإيابا في الحجرة. تشعر بالبرد فتضع عليها ثوب الحمام. تخرج إلى غرفة الجلوس، تجلس في كرسي جدها وتحاول تهدئة نفسها. " ما بالى، لم أكن هكذا طوال حياتي، ماذا أصابني؟ "

يبزغ النهار قاسيا ورماديا خارج الشبابيك الكبيرة. ينساب المطر على درف الشبابيك. ترسل الساعة النحاسية أربع ضربات سريعة- النوتات العميقة لساعة الجد.

دكتوره جيني ايزاكسون و دكتور هلموت و انكل يجلسان في مكتب جيني في عيادة الطب النفسي في المستشفى العام يراجعان برنامج اليوم.

يرسل وانكل الدخان حلقات متتالية بعصبية، يضع نظارات سميكة ويتكلم بلهجة قوية ولكن بشىء من الفأفأة.

جبني: الا تستطيع إيقاف التدخين لفترة؟ أكاد أموت من تسمم النيكوتين.

وانكل: جيني، عزيزتي، اغفري لي ! لنفتح الشباك. آه أنه مفتوح.

جاهز. سوف افرغ صحن السجائر و... على فكرة كيف حال ماريا؟ سمعت أنك عانيت من مشاكلها.

( بشكل احتفالي يبالغ في حركاته، يلتقط صحن السجائر ويفرغه في المزبالة).

جبني: كانت تحت رعايتي لمدة شهرين. عندما جاءت لم تكن تستطيع بناء علاقة بأي شكل. كانت تقريبا مصابة بالإغماء التخشيبي، يرافقه هجوم عنيف من التوتر والعدائية. الآن تستطيع على الأقل تبادل الكلام. (تتوقف) آه نعم! اوقفنا العلاج من أي نوع - لم تعد تتجاوب مع...

وانكل: اعرف. انت اخبرتني.

جيني: أنه شىء لا يصدق. أنا على أي حال لم أصادف مثل هذه المقاومة

وانكل: تعلمين كما اعلم أنا أيضا أننا لا نستطيع أن نستبقى الأشخاص شهرا بعد الآخر دون معالجة. علينا أن نفعل شيئا لنخرجها.

جيني: ماريا إنسانة موهوبة. حساسة، ماهرة ومجهزة تجهيزا عاطفيا جيدا.

وانكل: ما فائدة كل هذه الصفات الممتازة إذا ما عتم الاضطراب عقلها.

جيني: على أي حال اعتقد انني احرزت تقدما بسيطا.

وانكل: يمكنك التخلى عنها لي إذا ما اكتفيت بما فعلت. وتدركين أنه من العبث معالجة معتوهين من أمثالها. حتى الآن لا يوجد سوى حلول ميكانيكية.

جبني: وهل تستحق هذه أن تسمى حلولا؟ وانكل. عزيزتي جيني.. إن أحد الأطباء النفسانيين المجانين المشعوذين كتب مرة أن الأمراض العقلية البلاء الأعظم على هذه البسيطة وتليها سوءا معالجة هذه الأمراض. أنا ميال للموافقة معه.

جيني: ( تضحك) انت فعلا عالم مشجع.

وانكل: منذ عشرين عاما ادركت القسوة غير المفهومة لأساليبنا وإفلاس التحليل النفسي التام.. اعتقد أنه بمقدورنا شفاء إنسان واحد فعلا. واحد أو اثنان يتحسنان رغم مجهوداتنا.

جيني: الإنسان آلة.

وانكل: بالضبط ! نغير قطع غيار ونستأصل اعراضا.

جيني: على أي حال، سأبقى ماريا فترة أخرى. إذا لم يكن لديك مانع؟

وانكل: أنت الرئيسة. الآن على الأقل. (يبتسم) هل تأذنين لي بالمغادرة الآن: سأتناول الغداء مع وزير الإسكان (مدمن مخدرات عادى صعب شفاؤه) بالإضافة إلى ذلك، فأنا أكاد أموت توقا لتدخين سيجارة.

جيني: إلى اللقاء.

وانكل: إلى اللقاء. وكما قلت اعطني ماريا عندما يصيبك التعب منها. ويفضل أن يكون ذلك قبل عودة ايرنمن من رحلته إلى استراليا. يهيأ له أن هذا مصنع عليه أن يسدد تكاليفه وهو يحب أن يرى المعتوهين يتدفقون عليه. ولهذا فهو محبوب من جميع اسياسيين ويستطيع أن يتسكع حول العالم ناشرا انجيله. ( يتنهد بلطف، يجمع أوراقه، ويكدسها في حقيبة اليد التى تبدو على وشك الانفجار. ثم يشعل سيجارة ويشفط منها بشكل مسعور).

جيني: حسنا مع السلامة ( تهوى نفسها)

وانكل: آه على فكرة، متحضرين حفلة زوجتي الصغيرة، اليس كذلك؟

جيني: كما ترى، أنا ألبس أحسن ما عندي، ثوب يوم الأحد، حتى إذا ما ذهبت أكون جاهزة. هل ستذهب أنت؟

وانكل: سيكون شيئا غير لائق حيث إنها ستقدم حبيبها الجديد سترومبورغ الصغير.

جيني: الممثل !

وانكل: هو بعينه.

جيني: اعتقد أنه...

وانكل: أنه بالضبط يصغر زوجتى بستة وثلاثين عاما. إن هذا كله مؤثر(بجدية لم اعني مؤثر بدون أية سخرية.

جيني: ولكن اليس سترومبورغ الشاب...

وانكل: نعم هو كذلك. اليزابيث تحب أيضا أصدقاء سترومبورغ من الممثلين. أنها بمثابة والدة لهم جميعا.

جبني: إذن على أن أذهب.

وانكل: يمكنك أن تقولى لها عن لساني أنني اتكهن شيئا ما يمكن أن يحدث بالنسبة لسترومبورغ الشاب. وانني أحبها رغم كل شئ.

(يتابع إشعال سيجارة جديدة) تفتح السيدة وانكل الباب بنفسها. عندما تلمح جيني تنفجر بالضحك.

(وإذا ما كان أحد يرغب في معرفة ما شكلها، أنها امرأة صغيرة حيوية، دافئة، وصدوقة ذات شعر قصير رمادى ووجه دائري طفولي وعينين بنيتين طريتين)

اليزابيث: جيني! حسنا هذا وقت مناسب لظهرك

جيني: ( مرتبكة) ألم تكن الساعة الخامسة؟

اليزابيث: كلا، لقد كانت الساعة الثانية وقد غادرا لجميع تقريبا. ولكن ادخلي. كم أنا سعيدة لرؤيتك. ما أظرف لباسك. هل هو جديد! وكم أنت جميلة ! يا ألهى، يا ليتني اشبهك! يا عزيزتي

أنا سعيدة برؤيتك. ( قبلة) أين زوجك؟ آه، طبعا هو في أميركا. كم ذلك لطيف.

لم تضحك الاثنتان بفعل الصداقة وبسبب إسرافهما في الشراب. تأخذ جيني من ذراعها وتقودها نحو الاسترديو الكائن طابقين إلى الأعلى والملىء بالمفروشات والأشياء حديثة الموضة. الحيطان مليئة بلوحاتها التي تعبر عن شئ من حب الحياة. وتخيم على كل هذا شمس الصيف المبكرة. أبواب حديقة السطح مفتوحة على مصراعيها تسمح بدخول النسيم القادم من الميناء.

تأخر ضيف أو اثنان وتسرق اليزابيث لتقديمهما).

اليزابيث: هذا هو مايكل. أنا أحبه فعلا بجنون.. لطيف جدا معى. أنه شئ غير حقيقي. وهذا أفضل أصدقائه واسمه لودثيج لا يحب أن يدعوه أحد لودى. وهذا توماس قد تكونين سمعت عنه، أنه الشخص الذي يسافر حول الدول النامية ليعلم الفتيات كيف يستعملن موانع الحمل. إنه شئ مسل بشكل مخيف بالإضافة إلى أنه أظرف دكتور في الدنيا إذا كنت تشكين من الحب، تعرفين ما اعني. وهذا... كلا، لا أملك أية فكرة، ميك لعبتي، هل تعلمين من هو هذا، حسنا، دعينا لا نزعجه، أنه يأخذ إغفاءة، واعتقد أنني سأفعل ذلك بدورى بعد أن تهجم علينا الآن هو دائما متورط جدا كما تعلمين. وهاتان زوج من الفتيات الفاتنات الماهرات جدا واللتان افتتحتا دكانا عند الزاوية. (تهمس) هنالك شىء حول هؤلاء الفتيات الشابات في قمصانهن ذات القصة المنخفضة. تخيلي إذا ما كنا سوف - تخيلي لو أنت وأنا - لم تنفجر في قهقهة كالشخير وتحضن جيني اليها وهى تشدها نحوا لباب الذي يمتد على كامل الجانب البعيد للطابق الأرضى)

جيني: والآن أنت سعيدة.

اليزابيث: أقولها لك فقط ياجيني، لأنك تفهمين هذا النوع من الأشياء.. من الطبيعي أن تكون عندنا مشاكل.

جيني: آه؟

اليزابيث: وداعا ياجيني.

جيني: وداعا يا اليزابيث.

اليزابيث: مايكل معقد جدا. أحيانا أكاد أخاف منه. تعرفين أن لودثيج حقيقة شئ. ولكن عليك أن تأخذي القسوة مقابل السلاسة. وبشكل عام اعتقد - أننا ما يمكنك أن تسميه - سعداء.

جيني: كيف كان ذلك، يا اليزابيث؟

اليزابيث: أدركت أخيرا أنني ممتنة. ممتنة بتواضع لو تعلمين ما أعني. ليس فقط ما حدث مع مايكل ولكن لأنني مازلت احتفظ بنفس. اعلم أنها أحاسيس ومشاعري، لأنه لا فجوة تفصل بين نفسي وما تعانى من تجربة. يا الهى كم أعبر عنها بطريقة سيئة.

جيني: أكاد أحسدك.

(عندما كانت اليزابيث على وشك الإجابة تظهر الفتاتان شديدتا المهارة ببلزوتهما الديكولتيه. حضرتا للوداع. فتنشغل هي نفسها بمرافقتهما إلى الباب. تترك جيني وحدها لبرهة. تجلس في زاوية منزوية وتعلق عينيها).

(فجأة تشعر بأن أحدا يراقبها. تلتفت الى الوراء. خلفها بشكل غير مباشر يجلس الدكتور توماس جاكوبى وقد غرق في كنبة وثيرة. يبتسم مشجعا. تبادله جيني الابتسامة).

توماس: كيف حالك؟

جيني: حسنا شكرا. وكيف حالك يا ترى؟

توماس: أنا دائما جيد.

جيني: إذن عماذا سوف تتكلم الآن؟

توماس: لدينا موضوع ممتاز.

جيني:آه؟

توماس: لديك مريضة تصادف أنها اختي غير الشقيقة.

جيني: ماريا.

توماس: نعم.

جيني: من غير اللائق مناقشة وضع مريضة في مثل هذا الإطار. توماس. (بمرح) لسنا مضطرين لذلك.

جيني: ماذا تعني؟

توماس: باستطاعتنا تناول الغداء معا. هنالك مطعم صغير عند الزاوية تماما.

جيني: حسنا، كنت أريد أن...

توماس: حسنا، مرة أخرى إذن. أنا في البلدة حتى منتصف أغسطس. وداعا يا جيني.

(يقف مبتسما ويتركها. ترى الآن أن ساقه اليسرى عرجاء: تبدو متيبسة ويصعب تحريكها. يتبادل مع اليزابيث بضع كلمات، ثم يقبلها على خدها ويعرج باتجاه القاعة يبحث عن عصاه. وكرد فعل عفوى تنهض جيني بسرعة وتسير مهرولة اليه).

جيني: انتظرني في المطعم. سوف أجرى مكالمة هاتفية، هذا إذا ما كان المعرض لا يزال قائما؟

(ينظر توماس اليها بابتسامة ثم يومي برأسه علامة التأكيد، ويفتر الباب الأمامي. تذهب جيني بحثا عن اليزابيث الموجودة في المطبخ مع الولدين الاثنين. منهمكة في تنظيف المكان لأنها إنسانه نظيفة).

جيني: هل استطيع استعمال هاتفك !

اليزابيث: حتما يا عزيزتي. استخدمى هاتف غرفة النوم حتى لا يزعجك أحد. اعتقد أن المكان يبدو مقلوبا، فالأولاد بدأوا يجربون ملابس الداخلية جميعها مباشرة قبل حضورالضيوف ( ضحكات) أصابونى بالخوف - وهددونى بأن يظهروا وهم يجرجرون وراءهم فساتين السهرة الخاصة بي. لم تدخل جيني إلى غرفة النوم. حتما إنها في حالة من الفوضى. تجد التليفون على الأرض ملقى تحت الأريكة).

جيني: أهلأ مارتن ! كم أنا محظوظة لأنني وجدتك. آسفة الموعد هذا المساء قد ألغى. ماذا؟ نعم، أنه مريض. نعم؟ هل قابلت: شخصا أظرف؟ لا تكن سخيفا الآن، يا مارتن. الغيرة شئ لا مكان له بيننا. (يضحك) نعم، اعرف أنك كنت تمزح. مع السلامة يا عزيزي لم تضع السماعة مكانها) يا ألهى ! يا ألهى الموجود في السماء.

(في هذه الحالة تشق اليزابيث الباب وتختلس النظر إلى المداخل وص تبتسم بسعادة غامرة. ثم تدخل)

اليزابيث: هل ستتناولين الغداء مع توماس؟

جيني: هل كنت تستمعين؟

ايزابيث: يا عزيزتي يبدو عليك الشعور بالذنب بشكر مخيف وهذا شئ مثير.

جيني: (تضحك) هل أنا كذلك؟

اليزابيث: توماس مهووس بالنساء ولكنه مشوش جدا. يسعدني سماع ذلك.

اليزابيث: أيام زواجي من كارل توماس كان شابا سيىء السلوك ومزاجيا جدا. وحساسا جدا. حساس لدرجة أنى... حسنا لا داعى لذلك. مع السلامة يا عزيزتي. اعتنى بنفسك. سوف ادعوك الأسبوع القادم لأرى كيف سارت الأمور.

(تتعانقان بحرارة وتقبلان بعضهما البعض)

ترافق اليزابيث جيني حتى الباب. مايكل سترومبورغ العاشق الشاب يهيم شاردا بجانب عشيقته. يضع ذراعيه حولها ويقبلها قبلة قوية على أنفها المتعالى قائلا أن عليه القفز إلى أسفل لشراء سجائر قبل أن يقفل الدكان الكائن عند الزاومة. تضع اليزابيث يديها على وركيه وتهزه بلطفه وبحنان بالغ سائلة إياه إن كان يملك نقودا. نعم لديه.

تهبط جيني ومايكل الدرج بسرعة).

مايكل: انت إنسانة منكمشة اليست كذلك؟

جيني: نعم، ولماذا؟

مايكل: عندي صديقة قد تحتاج نصيحتك.

جيني: أغلب الظن أن هذا سيكون صعبا. فأنا لا أمارس العمل الخصوصي.

مايكل: لسوء حظ صديقتي. كنت أراقبك. تبدين ظريفة.

جيني: هل أنا كذلك؟ شكرا لك.

مايكل: هل لديك وقت للكلام؟

جيني: خمس دقائق.

مايكل: لنذهب إلى ساحة الدار. نستطيع أن نجلس هناك. (ساحة الدار مزروعة بالأشجار والشجيرات وبها ينبوع صغير اخلد الى النور مساء. ترتفع البنايات القديمة المقسمة إلى شقق حولها. هنالك مقعد حديقة أبيض صغير. قدم مايكل لجيني سيجارته الأخيرة. ترفض. يأخذها لنفسه ويدخن لفترة من الزمن بصمت. تسترق جيني النظر إلى ساعتها).

جيني: حسنا؟

مايكل: أنا منشغل بشئ ما.

جيني: هل هو بخصوص صديقك لودثيج؟

مايكل: كلا ! لا اعرف أحدا أقل خوفا من الموت من لود.

جيني. إذن صديقك خائف من أن يموت.

مايكل: بالضبط.

جيني: وهل هذا يشغل بالك؟

مايكل: هل تعتقدين أن بعضهم يمكن أن ينتحر لخوفه من الموت؟ يلوح إلى أن هذا نوع من الجنون ولكن هل هو شئ ممكن؟

جيني: أنه ليس شيئا غير مألوف.

مايكل: أي إنسان يخاف الموت بشكل دائم لا يمكن له أن يسعد في الحياة.

جيني: كلا.

مايكل: أنه كالمرضى.

جيني: الا تعتقد أن صديقك يجب أن يستشير طبيبا؟

مايكل: بحق يسوع نعم. أنه يذهب من مشعوذ حذق إلى آخر ويتكلم بحماقة عن خوفه من الموت.

جيني: حسنا؟

مايكل: آه، يستمعون اليه بلطف ومسفون له المهدئات. (ينظر اليها) بجدية، جيني،أليس هنالك من علاج لعذابه الجهنمي.

جيني: إذن الصديق هو أنت.

مايكل: نعم، يا عزيزتي. أنت ذكية جدا أخيرا.

(يبتسم بفمه الجميل والعيون الزرقاء، الكبيرة يغمق لونها بفعل الخوف)

جيني: باستطاعتك الاتصال بي يوم الاثنين في المستشفى. هاك الرقم. من الأفضل أن تتصل بعد الثامنة صباحا. عندئذ سأرى ما استطيع أن أفعله.

مايكل: ولكن ماذا على أن أفعل حتى ذلك الحين؟

جيني: هل الأمر بهذا السوء؟

مايكل: نعم. فجأة يتوقف الزمن، والثواني تصبح لا نهائية. أنها مثل الجلوس في طائرة توقف محركها. كل خطوة آخذها - كل كلمة أقولها - كل برهة... شىء مضحك اليس كذلك؟ أنا أكثر الناس حظا في العالم. أنه الصيف. اليزابيث ألطف أم صغيرة يتخيلها الإنسان. أنا موهوب جدا. توماس الديناصور الهرم - رأيته بأعلى - كنا أصدقاء لفترة من الزمن، أنه نوع يائس من الناس. قد يقوم بعمل يأس وهو بالفعل أيضا حاول أن... حسنا إنه يقول إن الطريقة الوحيدة للتخلص من الخوف، من الموت، هي أن تحب الحياة وكأنك لن تموت أبدا. كل هذا يناسبه أن يتكلم عنه. هكذا هو الأمر يا جيني! أخاف أن أذهب للنوم عشيا لأني قد لا استيقظ مرة ثانية. واعرف أن هذا لابد منه. أنا، أنا، أنا مايكل مترومبورغ سوف أموت في أية لحظة بطريقة أو بأخرى. لا فائدة من البكاء أو الركض أو الاختفاء. لو كنت أؤمن بشىء عظيم فالأمر يبدو مختلفا. أحيانا أعرف كيف هي رائحته.

جيني: كيف هي الرائحة؟

مايكل: رائحة الموت. نتانة الجثث. انظر إلى يدي أضعها على أنفي واستطيع أن أشمها، حلوة بشكل مرض ومثير للاستفراغ. (العيون الزرقاء المكروبة، وجه الممثل الجميل، الصوت المدرب جيدا)

جيني: اتصل بي يوم الاثنين.

مايا: جيني.

جيني: نعم؟

مايكل: الا تخافين أبدا من الموت؟

جيني: كلا، لا اعتقد ذلك. أنا مثل معظم الناس، الذين يعتبرون أن الموت شىء يحدث للآخرين ولكن ليس لهم بالذات.

مايكل: هل عليك الذهاب الآن؟

جيني: ستكلمني يوم الاثنين. حتما.

مايكل: حتما.

(يرسل ابتسامته الساحرة ويهدئ الكرب الساكن في عيونه الزرقاء الكبيرة. فجأة تشعر جيني بالقلق)

جيني: ألن تقوم بفعل مجنون.

مايكل. مجنون؟ آه، عرفت: كلا، كلا لا تخافي يا عزيزتي. في اللحظة أنها دورة مجنونة. لن أكون وحيدا للحظة واحدة. ( تنهض) الن تكن تريد شراء، سجائر؟

مايكل: نعم، ولكنني سأجلس هنا لبرهة من الزمن حتى ارتاح. أريح أذني من حوار القرود في الطابق الخامس. أنا أحبه - آه حتما أحبه - ولكن في بعض الأحيان- بالمرض، إذا كنت تعرفين ما اعني.

جيني: إلى اللقاء.

مايكل: احترسي من توماس !

جيني: آه، لماذا؟

مايكل: إنه 00" أليس " في بلاد العجائب بشكلها الحقيقي، وان بصورة أكثر بلادة إذا كنت تدركين ما أعني.

مايكل: اعطه قبلة منى !

جيني: (ضاحكة) اعطه إياها أنت، إلى اللقاء.

(يضحك الاثنان وتترك جيني الممثل ليرتاح بعد مشهده الكبير) هي الآن واقفة في الشارع. أنه ضيق وملتو وعلى جانبيه بيوت قديمة عالية. الهواء مازال دافنا بفعل الشمس، رغم تجمع الغسق. تدق ساعة الكنيسة المجاهرة الثامنة. يسير الناس متجاوزينها. تسير بضع خطوات ثم تقف. تراودها فكرة أن تدور وتختفي حول الزاوية. ولكن توماس كان قد شاهدها. كان ينتظر خارج المطعم- جزئيا خلف المظلة المنخفضة).

توماس: هل ندخل إلى الداخل أو أنك ستتبعين جدتك فتهربين؟ يمكنك أن تفعلي ما، تريدين.

سوف أصاب بخيبة أمل قطعا يمكنك أن تفعلي ما تريدين. سوف أصاب بخيبة أمل قطعا ولكنني لن اتكسر. أنهم يقدمون فيليه صول شهية جدا.

جيني: أنا شديدة النهم.

توماس: حسنا إذن عينا نأكل ونرى ما يحدث. حسنا؟

(مطعم السمك الصغير تقريبا بسبب غياب معظم الناس بعيدا خلال فترة الصيف. توماس وجيني، بروح عالية، تناولا العشاء المؤلف من سمك الصول الشهير والنبيذ المعتق. وهما الآن يتناولان القهوة. توماس يدخن سيجارا فاخرا. وجيني منغمسة بتناول كأس صغيرة من البراندي).

توماس: وماذا تريدين أن تفعلي الآن. هل آخذك إلى المنزل أو أنك ترغبين في دورة صغيرة بالسيارة خارج البلدة؟ منزلي يقع في مكان جميل ولكنه متهدم. نستطيع الجلوس في الشرفة والاستماع إلى الموسيقى. اعدك أيضا بسكون كامل إذا وجدت ذلك مناسبا أكثر لك.

جيني: تتكلم وكأنك كتاب.

توماس: إنها فقط طريقة ما في الكلام. أنا خجول قليلا كما ترين.

جيني: (تبتسم) أنت خجول؟

توماس: صدقى أو لا تصدقي ولكنني تقرينا خجول. أنا أعيش كثيرا لوحدي كما ترين ماذا عنك؟

جيني: أنا لست معتادة الكلام. لأنني أنا أيضا اعتبر خجولة. بالإضافة إلى ذلك. أنا غير معتادة أن أكون في مثل هذا الوضع.

توماس: أي وضع؟

جيني: تناول العشاء مع رجل غريب. وإذا تكلمت بصدق فأنا أشعر أنني جسورة. والأكثر من ذلك لم اخرج- إذا ما كنت امتلك ضميرا شيئا أم لا.

توماس: (بمرح) بعض الناس يعتبرون قضية الضمير السيئ، كنوع من البهارات الإضافية على الاستمتاع.

جيني: (تحمى نفسها): الا تخبرني عن ماريا؟

توماس: ( بتنهد) من أين أبدأ؟ بشكل عام كانت تعتبر موهوبة. عملت في الكتابة على سبيل الهواية وكذلك التمثيل، وكانت لها علاقة حب أو اثنتان مأساويتان انتهتا إلى انفصال مأساوى أيضا عندما تعب الشابان منها. وبيني وبينك أقول سرا انني لا ألومهما.

جيني: آه؟

توماس: والدة ماريا ماتت في ظروف تراجيدية - قتلت نفسها. ماريا التي كانت شابة صغيرة في ذلك الوقت " جاءت لتعيش معنا. نحن من نفس الأب. في ذلك الوقت كانت الأمور جهنمية.

جيني: فهمت.

توماس: آه، أنا لا استطيع الشكوى. فقد كنت معظم الوقت بعيدا عن البيت، في البداية كنت في الكلية ثم في الخارج " ولكن ماريا أثارت غضب والدي وشقيقي الأصغر حتى كادا أن يفقدا عقليهما.

جيني: ماذا تعني بـ "أثارت " غضبهم؟

توماس: الحب وكأنه داء الفيل. واللطف وكأنه قسوة، والتضحية بالنفس وكأنها أنانية. والاهتمام البالغ الذي يتحول إلى أخطبوط. لا أعرف. في بعض الأحيان اتساءل إذا ما كنت أنا المخطئ وماريا الطبيعية. وهذا يشغلنى ربما أكثر، طبعا.

جيني: هل تشعر بحزن تجاهها.

توماس. لا أعرف. عندما كنت طفلا رأيت كلبا يقتل. اطلقوا الرصاص عليه عدة مرات. لم يمت. بقى يصرخ وينظر الينا. أخيرا أخذ أحدهم يصب الجازولين عليه وأشعل به النار. ( يبتسم) هل نذهب؟

(يعيش توماس في منزل قديم البناء متداع يحيط به بستان مهمل بحاجة إلى تقليم)

توماس: البيت متداع بفعل الزمن وقلة الصيانة. بين الفترة والأخرى يخطر لي الأنتقال إلى مكان آخر أكثر عصرية , ولكن هذا هوا لحد الذي استطيع الوصول اليه. ماذا تحبين أن تشربي.

جيني: لا شئ شكرا.

توماس: ربما بعض القهوة؟

جيني: كلا. كلا بعد قليل ربما.

توماس: رجاء اجلسي. هذا أكثر المقاعد راحة. أنه مقعدى. ويمكنك تجاهله فأنا الوحيد في العالم الذي يعتقد أنه مريح

جيني: هل تعزف؟

(تشير إلى البيانو الكبير)

توماس: كلا كانت زوجتي هي التي تعزف.

جيني: هل هي ميتة؟

توماس: همم؟ أوه كلا. تم طلاقنا منذ بضع سنوات.

جيني: وكان هذا نجاحا أكثر من أي شىء آخر؟

توماس. الطلاق الفعلي كان أكثر الأجزاء نجاحا.

جيني: زوجي بعيد لمدة ثلاثة أشهر.

توماس: هكذا أوحيت صمتا عند الغداء.

جيني: فعليا أنا افتقده كثيرا جدا.

توماس: آه، أنا متأكد أنك تفتقدينه.

جيني: كل الأمور متشابهة، فقد اتخذت عشيقا لا يكاد يصل إلى نصف ظرفه. هل تدرك هذا؟

توماس: نعم، إلى حد ما.

جيني: لأضع الأمور بوقاحة، فإنه ممل جدا.

توماس. إذن تخلصي منه.

جيني: كلا سوف ينفع - حتى منتصف أغسطس. عندئذ اريك سيعود للمنزل.

توماس: اليس لديك أي علاج آخر لكدرك؟ هنا - وهناك.

(يشير إلى الصدر والبطن)

جيني: سوف ننتقل إلى منزل جديد في الخريف.

توماس: كم هو لطيف.

(يأخذ شكل المضطرب)

جيني: إنك مؤدب جدا. هل أصابك الضجر؟

توماس: كلا بتاتا. أنا فقط اتساءل عن صدرك. اتصوره جميلا جدا.

جيني: حتى أرضي فضولك أقول لك أنه فعلا كذلك. وعليك أن تكتفي بذلك.

توماس: ( حزينا) أنت تسيئين فهمي ولكن لا بأس. (يسود صمت طويل اخرق. يتبادلان الانخاب. تذهب جيني إلى النافذة وتنظر إلى الحديقة في ضوء الشفق)

توماس: اتزغبين في سيجارة؟

جيني: كلا شكرا. أنا لا أدخن.

توماس: عاقلة. عاقلة جدا.

جيني: عاقلة أم لا. أنا ذاهبة إلى البيت.

توماس:جيني. انتظري !

جيني: أنا تعبة جدا.

توماس: اتسمحين لي أن أقود سيارتك؟

جيني. لم تكن هذه هي الفكرة. رجاء اطلب لي تاكسيا. هل لك أن تصغي الي؟ فقط لبرهة من الزمن.

جيني: (تعبة ومبتسمة) حسنا ماذا تريد؟

توماس: الا يمكن أن نكون أنا وأنت صديقين؟ كلا لا تنخري باستهزاء.

أنا جاد، واعني ذلك.جيني ! هل تسمعينني !

( توماس مازال مبتسما ولكن وجهه معذب.جيني غاضبة جدا، تعبة وغاضبة. تبادله التحديق. هي تبتسم أيضا)

جيني: آه نعم ! أريد أن أعرف فقط كيف نصل من هنا إلى غرفة نومك.

وأيضا أريد أن أعرف ما هي الطريقة الخيالية التي تمتلكها حتى تتخلص من سخافة التعرية. ثم حتما أريد أن يقال لي ما هو التكنيك الذي ستستعمله لتكفيني - وتكفى نفسك. وما الذي تنتظر منى أن أفعله - فقط كم ستسمح لي أن أكون تقدمية وخلاقة حتى إذا ما أصابني الهوى فجأة لا أخيفك.

توماس: أنت مسلية جدا.

جيني: من المؤسف، لأنني أحاول أن أكون جدية. آه نعم ! أرجوك أخبرني كيف علينا أن نلفلف الموضوع كله عندما ينتهى مشهد الجنس. هل ستكون هنالك رقة وصمت - سيجارة تتوهج في ضوء الصباح الرمادي - أو سوف يكون هنالك كلام بسيط عصبي عن المرة الثانية بينما نتبادل أرقام الهاتف؟

توماس: أحقيقة لن تدعيني أوصلك إلى البيت بالسيارة؟

جيني: كلا شكرا. أريد أن أخذ تاكسيا. بالإضافة إلى أنك كنت تشرب الخمر.

توماس: وداعا، يا عزيزتي جيني. وأشكرك على هذه الأمسية المليئة بالسرور. أتأمل أن اراك ثانية في وقت ما.

جيني. نستطيع أن نذهب إلى السينما.

جيني: أوالى حفلة موسيقية. هنالك حفلات موسيقية جيدة جدا في الصيف.

جيني: هذا سيكون لطيفا.

توماس: سوف أكون على صلة بك.

جيني: قد اتصل بك.

توماس: هذا سوف يفاجئني.

جيني: إذن ربما سوف اتصل بك لهذا السبب بالذات.

توماس: التاكسي هنا.

(يخرجان نحو السلالم. أنه الآن ضوء نهار ولكن الشمس لم تبزغ بعد)

(تضع الشمس شكلا بالغ التعقيد على ورق جدران غرفة الجلوس الذي يتقدم نحو شيخوخته بلطف. الساعات تدق. الزمن الثالثة والربع، الهدوء شامل في الغرفة الكبيرة المليئة بالأشياء، الغريبة غير الحقيقية. العصافير تغنى في الحديقة بصوت عال متحد. تجلس جيني بمقعد جدها دون أن تخلع المعطف. ببساطة وجدت نفسها هناك فتابعت الجلوس. لا تشعر بالنعاس إطلاقا ولكنها تعبة. عيناها تؤلمانها قليلا، ولكنها لا تستطيع إغلاقهما. يداها قابضتان على السطح الأملس لكراساتها. يفتح الباب إلى غرفة الجد بدون أي صوت وكأن شبحا فعل ذلك بعد بضع دقائق يجر الجد قدميه ببطء إلى الداخل. يلبس ثوب الحمام والخف وشعره الرمادي المنفوش يشكل سحابة حول رأسه الهرم.

جيني لا تعلمه بوجودها وهى مختفية تماما في الكرسي الكبير. يقف الجد قرب الشباك لبرهة من الزمن وهو ينظر إلى الشارع. ترسم خيوط الشمس البرتقالية بروفيلا له ولرقبته النحيلة على الحائط الغامق.

ثم يرفع نفسه وكأنما يترك أفكاره الحزينة وراءه. يخترق طريقه نحو ساعة الجد في الخارج في غرفة الطعام، ويأخذ في التحسس بحثا عن المفتاح. ثم يبدأ في إدارة الساعة. في تلك اللحظة يفتح باب غرفة الجدة وتخرج بخطي خافتة.

الجدة: (بغضب) ماذا تفعل في مثل هذه الساعة؟

الجد: الساعة...

الجدة: عزيزي لقد ادرناها جيدا الليلة الفائتة. لا يفيد- إطلاقا ادارتها كثيرا.

الجد: إنها دائمة التوقف.

الجدة: كلا إنها لا تفعل. جاءنا ساعاتي ففحصها بدقة وقال إنها أفضل ساعات جدي التي راها حتى الآن.

الجد: تفوت الوقت.

الجدة: تقيس الزمن مثل باقي الساعات ولكن إذا اصررت على العبث بها فهي ستقف حتما.

(يجلس جامدا حذرا على كرسى الطعام مطأطئ الرأس تحت عار الرضوخ. تجلس الجدة قربه وتنتظر. بعد أن تنهد الجد لبرهة من الزمن وعبر عن توتره بطرق مختلفة تأخذ يده بين يديها بمنتهى الرقة)

الجدة: لن أضعك في منزل من منازل السنين. إنها مخيلتك فقط، هل تسمعني؟

الجد: ولكننا لا نملك أن...

الجدة: يا للتفاهة الا تذكر أن المحامى كان هنا الأسبوع الماضي وأخبرك أن وضعنا المالي جيد جدا

الجد: إنه يفوقني خرفا.

الجدة: آه كلا هو ليس كذلك.

الجد: أليس كذلك؟

الجدة: كلا هو ليس كذلك.

الجد: تعنين أنه صافى الذهن.

الجدة: نعم.

الجد. (يتنهد بعمق) أنا خجل خجلا ملعونا.

الجدة: ليس هنالك ما تخجل منه.

الجد: ليس معك ولكن مع جميع الضيوف.

الجدة: الآن تتصرف بثقل دم، فجيني ليست ضيفة.

الجد: هنالك اضطراب شديد في المنزل.

الجدة: أنت متوتر فقط لأنك كنت مريضا، هذا كل شىء. إنه الصيف الآن. في شهر أغسطس سوف نذهب إلى الريف. وهذا سيفيدك.

الشيخوخة هي جهنم.

(يبدأ الجد بالبكاء، يبكى بيأس كالطفل، في نفس الوقت يحاول السيطرة على انفجار، خجلا من دموعه. تجلس الجدة بلا حركة ممسكة بيده بين يديها).

الجدة: هاك هاك لا تهتم الآن. أنا لك وسأبقى دائما معك وأنت تعرف ذلك. ليس هنالك ما تضطرب من أجله. (يستمر الجد في البكاء لبعض الوقت. ثم يتوقف ويركن رأسه إلى كتف الجدة. تربت على رأسه وخدوده).

الجد: سامحيني.

الجدة: تعال واستلق في سريري سوف تشعر بالراحة وتنام بشكل أفضل.

الجد: سوف اشخر وابقيك مستيقظة.

الجدة: أخذت كمية كافية من النوم. تعال معى الآن. سأجعلك تشعر بالراحة والمتعة.

الجد: أنا أغضب بشدة.

الجدة: ليس لديك ما تخجل منه. هل حاولت التبول؟

الجد: لا احتاج لذلك.

الجدة: من الأفضل أن تحاول على أي حال. وإلا فستضطر للقيام فور نومك مباشرة.

الجد: لا استطيع أن أقرر أي شئ لنفسي؟

الجدة: لا تصرخ هكذا. سوف توقظ جيني.

الجد: سوف اذهب للتبول على أي حال. وسوف أفعل ذلك لأسعدك. كما هو الحال دائما.

الجدة: انتبه لكيفية وقوفك. لننطلق الآن.

الجد: تستمر ساعة الجد في التأخير.

الجدة: سوف استدعي الساعاتي عدا.

الجد: لا داعى للعجلة. فأنا لا أسير بسرعة كما كنت أفعل. (يختفيان في غرفة الجدة وهما يتمتمان. بعد فترة نسمع صوت الماء في المرحاض. تدريجيا يعود الهدوء الشامل) ترتفع الشمس أعلى ثم أعلى. الشكل الرسوم على الحائط يتغير ويصبح أكثر عمقا ويتحرك إلى جنب، الطيور في الحديقة صمتت. اصبح الهدوء شديدا.

جيني بدأت تغفو وهى تجلس على الكرسي. فجأة تستيقظ على صوت الجرس. التليفون يدق. تنظر إلى الساعة فتجدها تشير إلى السادسة. عندما ترفع السماعة كل ما تستطيع سماعه هو رجل يتنفس. قالت هاللو، ولكنها مازالت لا تسمع إجابة من الجانب الآخر. تسمع الموسيقى في الخلفية. فجأة يقهقه أحدهم بصوت خافت. صوت رجل يقول شيئا لها ثم يضع السماعة مكانها.

تقف جيني برهة أو اثنتين محتارة في أمرها تتلمس شعورا مقيتا يزحف اليها، عيناها تؤلمانها من التعب، ثم تصل فجأة إلى قرار.

في مثل هذه الساعة من الصباح لا تزال الشوارع فارغة. الجو أصبح دافئا. ترتجف الشمس فوق البلدة. تقود جيني سيارتها بسرعة وتصميم. تصل إلى البيت المهجور خلال عشرين دقيقة، تضع المفتاح في القفل، تفتح الباب، وتدخل. تفتش أولا في الدور الأرضى. أنه خال وساكن: بعض الذبابات ترسل ازيزا بموازاة النوافذ القذرة. في الخارج، أوراق الصيف - كثيفة ووقائية. تسرع إلى أعلى الدرج. تجد ماريا على أرض ما كانت تسمى غرفة نوم - على جانبها وملتفة على نفسها كالجنين. عيناها نصف مقفلتين ولا تحملان أية علامة من علائم الوعى.

بعد فحص سريع تنهض جيني وتذهب إلى الغرفة الثانية حيث يستقر التليفون على مقعد منزو في الخلف. تجلس على المقعد وتضع التليفون في حضنها وتطلب رقم المستشفى. عندئذ تكتشف أنها ليست لوحدها. رجل في الخمسين يقف في الممر. ويلمح رجل آخر في الخليفة. أنه أصغر بكثير، يكاد يكون ولدا.

الرجل: من تطلبين.

جيني: على أن آخذ ماريا إلى المستشفى بأسرع ما يمكن.

الرجل: علام السرعة؟

جيني: أنها فاقدة الوعى. ماذا فعلت بها؟

الرجل: إذن أنت متأكدة أننا نحن الذين أعطيناها ما جفاها مكانها.

جيني: كائن من يكن فيجب إخراجها من هنا.

الرجل: نستطيع أن نساعدك. لا تحتاجين عربة إسعاف.

جيني: أفضل أن أعالج الأمر بطريقتي الخاصة. (يذهب الرجل اليها، يأخذ التليفون، ويضع السماعة جانبا) الرجل. لا تخافي فلن أؤذيك.

جيني: لدي اقتراح. اخرج من هنا فورا وسآخذ ماريا معى. لن أبلغ عنك بسبب اقتحامك المنزل ولن يعرف أحد أنى رأيتك. (يقرفص الرجل أمامها. يبتسم. دخل الولد إلى الغرفة واقفل الباب وراءه)

الرجل: استمعي إلى دقيقة واحدة.

جيني. لا اعتقد أن هذا يهمني.

(يصل الرجل اليها ويرفع يده إلى وجهها بحركة وحشية) الرجل. كلا أنت غير مهتمة. ولكن على أي حال فإن الأمر كذلك، سواء أردت أن تعرفي أو لا. ماريا جاءت إلى منزلنا متأخرة الليلة البارحة. خلال الليل مرضت وبدأت تصرخ في طلبك، وقالت إن علينا أن نأخذها اليك حالا أينما كنت. وهكذا وجدنا رقمك في دفتر التليفونات وجئنا بها إلى هنا. لم يفتح أحد الباب: ولذلك زحف الشاب الواقف هناك إلى الداخل عبر شباك المخزن. عندما وجدنا المنزل خاليا اتصلت بالمستشفى وبعد مشاحنة جهنمية حصلت على رقم سكنك.

(فجأة يدفع الرجل الأصغر جيني أرضا، تحاول أن ترفع نفسها ولكنه يتمدد عليها. تحامل أن تقاتل ولكن الرجل الأكبر يمسكها بقوة.

يدفع الولد تنورتها إلى أعلى ويمزق سروالها. يبدأ الرجل بالضحك لأنه يجد محاولات الولد الشديدة التهيج مسلية. يتابع ضغط ذراعيها وكتفيها بشدة على الأرض. فجأة تتوقف جيني عن المقاومة وتستلقى بلا حراك. فوقها وجه الولد الأحمر المجنون يقطر عرقا، ونيكوتينا وقذارة. امسك بصدرها الأيسر وبدأ في مصه بنوع يائس من الجوع وهو يقوم بمحاولات مجهضة مرة تلو الأخرى للدخول اليها. تنظر جيني إلى الوجه الوحش المشوه المضغوط على صدرها. الشعر كثيف الفئراني، الجبهة، الخد الأملس، الفم الطفولي. تحملق في وجهه لبرمة طويلة غير حقيقية.

الصبي: كلا أنها محكمة الإغلاق.

(ينهض ويقفل سحابه. تبقى جيني متلقية على الأرض. يدخل الرجلان إلى الغرفة الثانية. يتمتمان مع بعض لبضع لحظات، ثم يعود الأكبر وهو يحمل دفترها. يفتحه ويبحث في داخله. يجد بعض الفواتير التي يكدسها في جيوبه: ثم يسقط الحقيبة على الأرض).

الرجل. بعض النساء عليهن أن يدفعن مقابل النوم معهن. أنت لا تعرف هذا. هل تعرف؟ (ينحنى فوقها ومنظر اليها نظرة طويلة قاسية)

الآن تستطيعين أن تستدعى سيارة الإسعاف.

(يحرك الهاتف حتى يصبح في متناول اليد ثم يذهب إلى الغرفة الثانية. يصفق الباب، وبعد لحظات قليلة يصفق أيضا باب المطبخ).

تدار سيارة خلف المنزل وتشق طريقها إلى أسفل على الحصى المسحوق باتجاه الطريق.

تصل جيني الى الهاتف وتطلب سيارة الإسعاف. تذهب إلى الغرفة الثانية حيث ترقد ماريا بلا حراك على جانبها. ثم تذهب جيني إلى الحمام وتغسل وجهها وتنشفه بمنديل وجدته في حقيبتها. تقف لبرهة من الزمن منحنية الى الأمام وذراعاها مسندتان الى الحوض. المكان مكتظ بالأشياء؟ الشمس تتلألأ عبر الزجاج الملئ بالضباب حيث تئز بضع ذبابات لا حيلة لها ولا قوة. تشعر بصداع نصفى.

عندما تنطلق عربة الإسعاف بعيدا تجلس على الكرسي الوحيد بالقرب من التليفون. تأخذ كتابا أحمر صغيرا من حقيبتها وتمر عبر صفحاته بحثا عما تريد. ثم تجد رقم التليفون). هاللو. هل لي بمخاطبة دكتور جاكوب؟ رجاء قولى له انني دكتورة ايزاكسون. جيني ايزاكسون. نعم.

(بقيت منتظرة لوقت طويل. أنها تحارب هياجا عنيفا وهى تشعر ألم رمادي ينطلق منتشرا في أحشائها. يشدو بغضب وتهاجمها حاجة ماسة للصراخ. تتأرجح قليلأ على الكرسي، تدعك وجهها بيديها عدة مرات وتجلس على الأرض وتغمض عينيها ثم تفتحهما، وتبحث عن تنهدات ثقيلة وهى تتنفس. رغم كل هذه العواطف تتمكن من ضبط صوتها عندما يأتي توماس أخيرا إلى التليفون)

جيني: فكرت أنه يتوجب على الاتصال بك.ماريا في حالة سيئة لا أدري ربما تناولت كمية زائدة من المخدرات ولكنني غير متأكدة. لقد هربت من المستشفى. وجدتها في مكاني. نعم داخل المنزل. الا استطيع أن أراك؟ عندئذ سوف استطيع أن اخبرك بالمزيد. ماذا؟ هل نحن ذاهبان الى حفلة موسيقية هذا المساء؟ نعم هذا سيكون جميلا. تستطيع أخذي من المستشفى. آه كلا شكرا على أي حال.

(قاعة الحفلة الموسيقية كائنة في قصر بني في نهاية القرن، وهو مستخدم الآن كقاعة عرض للفنون. الغرف محشوة باللوحات والتماثيل التي تعود إلى تلك المرحلة. البقع الخضراء والأشجار في الحديقة يمكن مشاهدتها عبر النوافذ الكبيرة، وبقعة هادئة ممتدة في المياه تتلألأ في ضوء الغسق، في أماسى الصيف.

الحضور لا يملأون فقط قاعة الحفلة نفسها ولكن أيضا الغرف المجاورة والممرات والسلالم. وصل توماس وجيني متأخرين ولذلك وجدا نفسيهما يصعدان الدرج المهوجانى الخشبى إلى الطابق الثاني. يجلسان على مقعد صغير خشبي وضع على منبسط الدرج وظهرهما إلى الحائط. جلسا مضغوطين إلى بعضهما البعض مثل باقي الذين تأخروا في الحضور وعصروا أنفسهم في أي مكان.

(يقوم عازف البيانو بعزف فانتازيا في E ماينور لموزارت).

يحيى
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للسيناريو

مُساهمة  يحيى في السبت أكتوبر 31, 2009 3:47 pm

يمتزج ضوء الغسق بالضوء الشاحب المنسكب من الثريا الكبيرة ليضئ برفق الوجوه العديدة حول جيني التي يفاجئها أن العديد من الناس يستمعون متململين وبدون تركيز: يوجهون نظراتهم هنا وهناك، يمسكون بوجوههم، يتأففون بحركات عصبية: يعبثون أشياء غير مرئية، وكأن نبضات وحركات اليوم لا تزال تأسرهم. من الأفضل أن تنظر الى هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم توجهوا إلى دواخلهم، والذين يسمعون، وهم يسترخون، وتريحهم أفكار سعيدة أو لا أفكار بتاتا. هنالك شابان ذائبان في بعضهما البعض، وهنالك رجل عجوز يجلس لوحده منحنيا ومشوها , ولكنه رفيع في أسلوب استماعه. هنالك امرأة متوسطة العمر تحيط بها وحدة هائلة وحزن هادئ مرسوم على وجهها، وهنالك ولد داكن البشرة يلبس نظارة سميكة وعيناها متجهتان نحو الغسق المنسكب من الشباك الكبير، وجهه ملئ بالتوق. فتاة صغيرة سقطت نائمة على ذراعي سيدة شابة ربما تكون والدتها. وهى بدورها تسند رأسها على كتف رجل، يلفهما توافق حميم، راضيين ببعضهما البعض , وبنفسيهما وباستمرار تدفق الموسيقى. سيدة كبيرة تضع مساحيق لكثيفة على وجهها وشعرها مصبوغ باللون الأزرق، من الواضح أنها سائحة أميركية، تجلس جامدة، مضغوطة في زاوية، بعيدة كل البعد عن الراحة ولكنها تبتسم باستمرار لنفسها، وعيناها الكبيرتان الرماديتان تشردان بهدوء من شخص إلى آخر.

على جيني أن تغلق عينيها. عليها أن تدخل إلى نفسها. ولكنها سرعان ما تكتشف فورا أن هذا ليس هو المكان الملائم، ففيه ما يدور فيجعلها تخاف وتصاب بالدوار. كلا، ليس هناك. لا تستطيع أن تذهب إلى هناك. طالما هي هادئة لا تتحرك وتراقب يد توماس بعينين نصف مغلقتين فكل شيئ يكون حسنا. طالما عودت نفسها الا تنظر إلى داخل نفسها فكل شىء على ما يرام. أنها الآن مسألة دقيقة بدقيقة أو ساعة بساعة.

تعرف بغريزتها أنها بالقدر الذي يمكنها أن تبعد ما قد يحصل في أية لحظة تكون فرصتها أكبر في التعلق بالحقيقة التي تتلاشى تدريجيا. تعرف أن هذا هو أهم ما في العالم الآن. ثم نجدهما ينتقلان بسيارة توماس. مازال هناك ضوء السماء بيضاء وحمراء، وضباب قليل الكثافة مزرق معلق مثل وشاح فوق الأشجار والطريق والمياه المتلألئة. قبل دخول المنزل تحذره جيني بحركة عكس اتجاه اليد التي تفتح الباب.

جيني: دعنا لا نتكلم كثيرا.

توماس: تماما كما تشائين.

جيني: إنك متفهم اليس كذلك

توماس. (برفق) كلا، ليس حقا.

جيني: إن الأمر هكذا: على الإنسان أن يعبر بعض ساعات الحياة.

(تعتبره متقبلا ما تقول، وكأنها تتوقع أن يفهم، ولكنه يبادلها بابتسامة صديق متسائلة)

توماس: حسنا، وماذا في ذلك؟

جيني: هنالك ساعات ما أو ربما دقائق فقط.

توماس: هل الأمر كذلك؟ الآن؟

جيني: قد يكمن كذلك، على أي حال أنا سعيدة لكوننا معا.

(يدخلان القاعة. تصاب جيني برعشة خفيفة: يمسكها توماس من كتفيها)

توماس: أنت بحاجة إلى مشروب، لا شك في ذلك.

(يسكب واحدا ويعطيها اياه. تقف بجانبه مراقبة)

جيني: عندما تقابلنا المرة الماضية كنا سخفاء. الا تعتقد ذلك؟

توماس. نادرا ما أفكر انني سخيف.

(تتحرك جيني حول الغرفة. تمسك عدة أشياء. بين الفترة والأخرى تقف وتنظر إليه وكأنها تريد أن تتأكد أنه مازال هناك ولم يتلاش في الهواء)

جيني: هل عندك بعض الحبوب المنومة الجيدة؟

توماس: نعم إلى حد ما جيدة. هل تريدين واحدة؟

جيني: سوف أخبرك ماذا أحب أكثر من أي شئ.

توماس. قلت أننا لن نتكلم.

جيني: اعطني الحبة، أو حتى اثنتين إذا اعتقدت أنني سأنام مرتين جيدا.

توماس: وبعد ذلك؟

جيني: ثم دعنى أنام هنا معك في سريرك. دون أن نمارس الحب. ولكن عليك أن تمسك يدي إذا كان هذا ضروريا. هل تفكر بشئ كهذا.

(يذهب توماس رأسا إلى الحمام ويعود بكأس من الماء وبعض الحبوب المنومة يوازنها على صفحة كفه. يأخذ منها كأس البراندي)

توماس: إذا كنت ستأخذين كمية كبيرة كهذه فعليك الا تشربي.

جيني: كلا. هذا صحيح.

توماس: هاك نصف ميلي جرام من الثاليوم وحبتين من غادون. أنها خليط جيد. أنا آخذها عادة وليس لها أي تأثير فيما بعد. إذا شربت قهوة قوية في الصباح فسوف تتابعين نشاطك جيدا.

جيني: حسنا.

توماس: هاك.

جيني: شكرا.

توماس: متى أوقظك؟

جيني: مباشرة قبل السابعة، فعلى أن أكون في المستشفى حوالي الثامنة والنصف.

توماس: الا تستطيعين أن تتصلي بالتليفون وتقولي أنك مريضة؟

جيني. (تهز يديها) إذا فرض على أن تكون الأشياء كالمعتاد فسوف تكون عندئذ كالمعتاد. الا توافقني؟ (تنظر اليه) هذا هو الحال معى على أي حال.

توماس: هل تعالجين مرضاك بهذه الطريقة؟ كيف: كلا هم مرضى أما أنا فلا.

يستلقى كل منهم على أحد جانبي السرير المزدوج. يطفئ توماس فانوس القراءة. في البداية تبدو الدنيا عظمة. ولكن بعد بضع دقائق يبدأ ضوء الفسق بالظهور منعكسا على ستارة النافذة، وبسرعة تبدأ جيني بالتعرف على موجودات الغرفة. تستلقى ساكنة بعض الوقت وعيناها مغلقتان.

جيني: شىء غريب اصابني اليوم (تستدير على جنبها وذراعها تحت خدها وتثبت نظرها على المستطيل المشرق من النافذة) عندما ذهبت لأحضر ماريا كان هنالك رجلان في المنزل. أحدهما حاول اغتصابي. في البداية كنت خائفة ثم بعد ذلك فكرت أن الموضوع سخيف، ثم.

توماس: (لافتا رأسه) وبعد ذلك؟

جيني: كان وجهه يعبق بالاحمرار. استلقى ضاغطا فمه على صدري ومحاولا الدخول إلى.

توماس: ثم؟

جيني: فجأة رغبت رغبة جامحة في أن يفعل ذلك.

توماس: هل تعتقدين أن ذلك كان غريبا؟

جيني: كلا الشئ الغريب كان عدم استطاعتي قبوله بنفس الشدة التي رغبت فيه. وجدت نفسي مقفلة، مشلولة وجافة. (فجأة تبدأ في الضحك الذي ينفجر إلى الخارج وكأنها كانت تحاول خنقه، ضحكة ميتة تماما. تهتز ضحكا، تحاول السيطرة على ضحكها، يبدو للحظة وكأنه أصبح تحت سيطرتها ولكنه يعود فينفجر مرة ثانية. يبدو توماس مذهولا في البداية.

يبتسم ليحافظ على رفقتها. عندما يتبدى له أنها لا تضحك على الجانب الكوميدي من الموقف ولا لمجرد متعة الحياة ولكن لأن هذا شيء مخيف، عندئذ يضئ النور ويجلس في السرير. تستلقى جيني على ظهرها وظاهر يديها مضغوط على وجهها. وشعرها الطويل منكوش على الشرشف وسقطت المخدة على الأرض، جسدها متعب من نوبات المضحك المكبوتة.

جيني: أنا آسفه. لا أدري... لا استطيع أن... ماذا بي..

توماس: حاولي الجلوس.

(تجلس جيني، ظهرها محني، اكتافها مرخية وذرعها متيبستان)

جيني: لا استطيع أن أفكر بما....

توماس: حاولي التنفس بهدوء الآن. خذى نفسا عميقا..

(تحاول جيني طائعة أن تفعل ها طلب منها. ولكن نوبة قوية من الضحك تنفجر من خلال تنفسها العميق. ثم يتحول الضحك الوحشى إلى نشيج متقيأ).

جيني: كلا. كلا. لا أريد أن أفعل. لا أريد أن أفعل.

(يحاول توماس أن يحملها بين ذراعيه ولكنها تقاتل لكي تتحرر منه وتحدق به طالبة النجدة هازة برأسها. وخلال كل هذا الوقت تعذبها تأوهات متشنجة)

جيني: أريد أن أذهب إلى المنزل. رجاء اطلب تاكسيا. كلا لن تحضر أنت معى. استطيع تدبر الأمر لوحدي. سوف تمر هذه الحالة.

(تنهض من السرير، ترتعش وكأنها مصابة بحمى. وبمجرد أن تنفجر فجأة باكية يعاودها الضحك مرة أخرى) توماس. هل استدعى طبيبا؟

جيني: ماذا ! مع وجود كل هؤلاء الخبراء هنا. أنا تعبة فقط ولست مصابة بأي شئ. سوف أصل إلى البيت وادخل السرير. لم يصبني أي ضرر على الإطلاق.

(تجلس جسدها بجهد عنيف ثم تقف بهدوء للحظة أو اثنتين وكأنها تتأمل وتستمع إلى داخلها)

توماس: كيف تشعرين الآن؟

جيني: أفضل.

توماس: قولى ما تشائين ولكني سوف أقودك إلى المنزل.

(خلال ركوبهما السيارة يتكلمان قليلا. عندما يقفان خارج باب جيني يحاول توماس النزول لمساعدتها ولكنها تمنعه من ذلك)

جيني: أنا أفضل بكثير الآن. شكرا لك. أنا آسفه انني... سامحني .. سامحني على تصرفي السمج. سوف أسرق بضع ساعات من النوم وغدا سأكون أفضل، وبعد ذلك سيكون عندي يوما عطلة ( تنحني إلى الأمام وتقبل خدوده) في المرة القادمة سوف نتكلم عنك فقط.

(تخلع ثيابها بسرعة وتربط ساعة المنبه. أنها مسيطرة تماما على نفسها ومزاجها جيد تقريبا. تفتح الترانزستور الصغير بقرب السرير وهو يرسل موسيقى ناعمة. يتلألأ ضوء الصباح خارج الشباك. تدخل السرير طلبا للدفء وتغرق في نوم بلا أحلام. ينسل الوعى متبخرا. تتنفس بعمق. تستيقظ لتجد الجدة تجلس على حافة السرير وصينية الفطور إلى جانبها. تحذق جيني بها مذهولة ودائخة تحت تأثير النوم.

جيني: ماذا بك؟

الجدة: لقد نمت بعمق طوال يوم أمس وطوال الليلة الماضية.

بدأت انشغل عليك.

جيني: ما هو اليوم بين الأيام.

الجدة: السبت. أنها الساعة التاسعة. اتصلت تليفونيا بالمستشفى وقلت لهم أن معدتك مضطربة.

جيني: يا للسماوات، لقد نمت على قدر دوران عقارب الساعة.

الجدة: لقد احضرت لك بعض الفطور.

جيني: هذا لطف منك، ولكنني لا أريد أي شئ.

الجدة: خذى شيئا من القهوة وقطعة من الخبز المحمص. ستفيدك.

جيني: رأسي يؤلمني.

الجدة: قد تكون حرارتك مرتفعة.

جيني: سوف تختفي إذا بقيت في السرير اليوم وغدا.

الجدة: أنا خائفة لأنني لن أكون في المنزل لاهتم بك الجد وأنا مدعوان للذهاب والبقاء مع ايحيرمانز في هوجساترا، ولا نستطيع رفض دعوتهم. جدك يتلهف كثيرا للبقاء في الريف لبضت أيام.

جيني: ولكنني يا جدتي الحبيبة سوف أكون على ما يرام وأنا بمفردي.

الجدة: هل ستكونين على ما يرام؟ هل أنت متأكدة؟

جيني: سوف استمتع بذلك.

الجدة: كل ما تحتاجينه موجود في الفريزر. هنالك شريحة لحم وطبق دجاج. ولقد اشتريت حليبا وخبزا و....جيني. (بجهد) جدتي العزيزة ! ارجو لك وقتا طيبا في هوجساترا، وبحق الله لا يشغلك الشعور بالذنب بسبي. يمتعني الاهتمام بنفسي عندما لا أكون بحالة جيدة.

الجدة: هل تعدينني بأن تتصلي بي إذا ما ساءت حالتك؟ ( بجهد) اعدك. بحق الله.

(تقبلها الجدة على خديها وتربت على رأسها وتنظر إليها بعينين حادتين واضحتين)

الجدة: اليس هنالك أي شىء آخر؟

جيني: كلا

الجدة: هل أنت متأكدة؟

جيني: متأكدة جدا.

الجدة: هل اتصل بالعمة ايريكا لتأتي منا وترى أحوالك؟

أي شىء آخر ولكن ليس العمة ايريكا.

جيني: حسنا، إذن.

(تغادر الجدة. بعد بضع دقائق تفرق جيني في نوبة إغماء. تستيقظ على ضوء ذهبي ينسكب على الغرفة بضياء مبهر. اليوم صباح الأحد وأجراس الكنائس ترسل صداها في الشوارع الفارغة، تدعو الناس إلى صلاة الصباح. تجلس وهى تشعر بخفة جسدها رأسها. الغرفة تومض بالضوء وعيناها تؤلمانها قليلا).

لا ريب أن اليوم الأحد - صباحا - واضح جدا - أجراس الكنائس. على أن استيقظ وربما آكل شيئا. اشعر بأنني غريبة ولكن القلق قد زال وهذا هو الشئ المهم. خطوة تلو الأخرى وسأكون كلى بخير غدا، قليل من الطعام. تمشية أقدام. كتاب لطيف. وربما اذهب إلى السينما.

(تخرج من سريرها وتتمكن من تدبر أمرها أكفر مما تخيلت. تذهب إلى المطبخ تضع ابريق الماء الساخن، تخرج البيض والجبن والخبز، تجد علبة القهوة - تسير الأمور أفضل كثير مما تجرأت وأملت به.

ترن الأجراس، وتحوم الشمس المتلألئة على الستائر، والبسط والثريات، والصور والتماثيل النصفية. تتماوج المخضرة على الجانب الآخر من الشارع بشكل مكفهر. لا يرى كائن ولا سيارة ولا مخلوق على مرمى النظر. تسحب بلوزة خفيفة وبنطلونا فضفاضا رثا وصندلا مريحا. الطقس أصبح دافئا تقرينا. جلدة رأسها تتعرق في حافتها بينما يدب البرد في يديها وكتفيها.ما عدا ذلك فهي تشعرانها على ما يرام وحتى أكثرمن ذلك فهي مبتهجة قليلا. تضحك لنفسها وتأخذ بالتمطى.

جيني: ساتصل بتوماس. لا أدري لماذا لا يصطحبني إلى السينما الليلة.

(تسرع خارجة إلى المطبخ وترفع البيض المسلوق عن الطباخ. تضع القهوة وترتب المائدة ثم تتصل بتوماس. يجيبها فورا لم هاللو توماس، أناجيني. أريد فقط الاعتذار لأنني كنت مزعجة المرة الماضية. اشعر اننى رائعة فكرت أنك قد تحب أن تدعوني إلى السينما هذا المساء. ما هذا اوه كم هو لطيف.

(تنظر جيني إلى أعلى. في المرآة تبدو غرفة الجلوس تستحم بالضوء. المرأة الطويلة واقفة عند مصدر تدفق الشمس، تحملق في جيني بعينها الواحدة. محجر عينها اليمنى عبارة عن حفرة سوداء.

تضع جيني السماعة ببطه وتتجه نحو غرفة الجلوس. الشكل بين الشبابيك مازال هناك. تذهب إلى غرفتها وتجلس على السرير محاولة التحرك بهدوء وتماسك. ثم تعود إلى غرفة الجدة والتي هي أيضا خالية. ليس هنالك شكل مرعب له محجر عين خالية في غرفة الجد كذلك. السكون، أشعة الشمس المشرقة. ضربات قلبها تتسارع. تقف على طاولة المطبخ، يداها على قطعة قماش الزيت. ساعة المطبخ تتكتك منهمكة، صوت موسيقي مرحة ينبعث من راديو فى مشقة مواجهة للباحة، تأن صغيرتان تلعبان لعبة الحجلة على الأسفلت الأسود. السماء بيضاء بفعل الضوء.

تعود اليس غرفتها، تجلس على كرسى قرب النافذة: تخرج مسجلتها الصغيرة من تحت كومة الكتب ذات العناوين الأجنبية. أنا الآن هادئة تقريبا. تأخذ نفسا عميقا بين الفترة والأخرى. تبدأ بتشغيل المسجل.

جيني: عزيزي أريك، يا عزيزي. من الأسهل أن أخاطب مسجلأ. أخر من أن أكتب رسالة. لقد كان هذا حالي دائما. فبمجرد أن أبدأ في وضع أفكاري كتابة تهرب منى الكلمات. بعد فترة قصيرة سأتناول خمسين حبة نيمبوتال. بعد ذلك سأذهب إلى السرير وأنام. اعتقد أنك ستغضب منى بسبب ذلك. حسب ما أذكر فنحن لم نناقش إمكانية أن ينتحر واحد منا - لم يكن هنالك ما يستدعى ذلك. على أي حال ادرك فجأة أن ما أريد أن افعله بعد برهة قصيرة كان يكمن في داخلي منذ بضع سنوات. لا يعنى هذا أنني صممت إراديا أن أنهى حياتي. تفكر بذلك. أنا ليست مخادعة إلى هذا الحد. الأمر أكد من هذا. انني كنت أعيش في عزلة كانت تزداد سوءا. الخط الفاصل بين سلوكي الخارجي وضعفي وجدبي الداخلي أصبح أكثر وضوحا. اذكر عيد العنصرة الماضي مثلا ذهبت أنت وأنا وأنا في نزهة في الغابة. أنت وأنا استمتعنا تماما. تظاهرت أنا بأن الأمر كان رائعا أيضا وقلت كم كنت سعيدة، ولكن هذا لم يكن صحيحا. لم استطع أن اتملى أيا من الجمال المحيط بنا. حواسي أشارت بوجوده ولكن الموصلات كانت كلها مقطوعة. ازعجني هذا وفكرت أن أحاول البكاء ولكن الدموع لم تأت.

هذا مجرد مثال واحد اخترته اعتباطا، ولكنني كلما عدت بالذاكرة إلى الوراء تذكرت أكثر. توقفت عن الاستماع إلى الموسيقى حيث انني أشعر بأنني مغلقة تعافا ولا مبالية. حياتنا الجنسية - لا أشعر بأي شيئ، أي شيئ إطلاقا. تظاهرت بأنني اشعر حتى لا تضطرب أو تبدأ بسيل من الأسئلة. ولكنني اعتقد أن اسوأ ما في الأمر هو انني بدأت افقد الصلة بابنتنا الصغيرة. بدأ ينمو حولي سجن بلا نوافذ. وحوائط سميكة جدا لا يتخللها أي صوت، حوائط من العبث التهجم عليها لأنها بنيت من مواد أنا مصدرها.

اعتقد أن عليك أن تشرح كل هذا لابنتنا. عليك أن توضحها تفصيليا، عليك أن تكون صادقا بلا احجام أو ورع. نحن نعيش، وبينما نحن نعيش نختنق تدريجيا دون أن نعرف ما يحدث. أخيرا لا يبقى سوى لعبة تتجاوب تبعا للحاجات والمثيرات الخارجية. وفى الداخل لا يوجد شيئ سوى رعب هائل.

أريك، عزيزي، أنا لا أشعر بالخوف ولا بالحزن ولا بالعزلة. رجاء لا تشعر بالأس من أجلى - أنا جد راضية ومتحمسة تقريبا مثلما كنت أشعر وأنا صغيرة ذاهبة في رحلة. وربما يكون شفاء من مرض ملازم طوال العمر.

صدق ما أقوله لك.

(ما تريد أن تعد به جيني لا تستطع تذكره، ولذلك فبعد تفكير لبرهة تقفل المسجل وتخرج الشريط وتضعه في ظرف تختمه. تكتب على الوجه الأول " إلى ايريك "، وتضعه على الطاولة قرب

السرير.

ثم تذهب بسرعة إلى المغسلة وتحضر الحبوب المنومة وكأس الماء. توضب السرير، تسدل الستارة إلى ثلاث أرباعها، تقفل الباب، تنظم أشياءها، تنظر حولها - كل شئ مرتب جدا. تجلس على حافة السرير بعد أن وضعت ثوب حمامها على رأس الكرسي.

تبدأ في بلع الحبوب المنومة بشكل منهجي. في البداية واحدة واحدة ثم مجموعة في نفس الوقت. تفقد القدرة على التنفس وتضطر لأخذ راحة لبضع دقائق. تنظر إلى نفسها في مرآة الخزانة الكبيرة الضبابية: وجهها هادئ ومبتسم تقرينا، بؤبؤ عينها كبر عن حجمه الطبيعي، جسدها مضموم ومرتعش. الآن تأخذ باقي الحبوب. لقد مرت نصف ساعة، تجلس برهة وعيناها مغمضتان. وباطن كفها يضغط فخذيها) أنا لست خائفة. أنا لا أشعر بالوحدة، حتى ولست حزينة. في الواقع الشعور المصاحب لذيذ.

(ثم تستلقى وتشد اللحاف فوقها. تغرق بسرعة في دوامة مظلمة من الأحلام والرؤى.

جيني مسرعة، ومتأخرة، تجرى في ممر طويل له حيطان عالية تصل حتى السقف حيث يخرج ضوه شاحب يرشح عبر لوح الزجاج المكسور. الأرض مؤلفة من ألواح خشنة وقذرة جدا: فتات طعام، جرائد قديمة، علب صغير، بقع من الزيت اللزج، أكوام من الزبالة. هي في عجلة من أمرها إلا أنها في نفس الوقت عليها الحذر أين تضع قدمها.

وعليها أن ترفع عاليا ثوبها الطويل الغامق الأحمر الذي يلفها - الحاشية والتخريم المزين.

ترى نفسها في مرآة كبيرة مرقشة. تلس ثياب وليمة ولكن وجهها شاحب يكاد يقارب لون خشب الصفصاف، وعيناها محمومتان. شعرها مرفوع إلى داخل قلنسوة مطرزة من العصور الوسطى تلتصق تماما حمل أذنيها وخديها. جبهتها تلمع من شدة العرق. ومع ذلك فهي باردة. ترى أسطح الألواح المحيطة بالغرفة وما حفر منها، والأرضيات كلها مغطاة بصقيع- مجمد وندف ثلج قذر كان قد مسح بعيدا عن الطريق بلا اهتمام.

يفتح الباب الذي تبدو وكانها تتذكره فتجد نفسها في غرفة كبيرة تبدو مألوفة بشكل غير مؤكد: أنها غرفة استقبال الجدة والجد. ومع ذلك فهي مختلفة تماما. كل شىء فيها قذر. مهدم، متحلل، نصف ضوء مظلم يتسرب إلى الداخل عبر الخيش الممزق المعلق أمام الشبابيك.

في منتصف الغرفة يجلس رجل كبير في كرسى كبير متخلخل. يلبس فراكا من طراز قديم لا يناسب مقاييسه، ورأسه دائم الاهتزاز.

عند ركبته تقف فتاة صغيرة تلبس فستانا أحمر تنظر آنا اليه وآنا آخر تتابع بنظرها شمعة تترجرج داخل حامل قصير على طاولة صغيرة يمين الرجل (الذي يزداد باطراد شبها بجد جيني) الشمعة تتسرب من طرفها وهى تقريبا قد ذابت كليا: هذا يخيف بوضوح الفتاة الصغيرة وجدها.

برد عفن رطب يسود الغرفة. بقع بيضاء مثل الثلج والصقيع ترى على الأرض والحيطان.

عندما تعتاد عينا جيني القتامة ترى أن مجموعة كبيرة من الناس متجمعة. على الأرائك، خلف المرآة في الزاوية عند المدفأة القرميدية، نصف مخبأتين في الممرات، تلتقط لمحات للوجوه والأجساد: رجال يرتدين الفراك الشديد القدم، نساء يرتدين أزياء غريبة، ملابس الحفلات الراقصة التي خبا لونها وتبدلت مقاييسها. خلف الا سكنيات المحفورة حفرا غنيا والمغطاة نصف تغطية بالثلج، تستطيع حتى أن تتلمس وجها هزيلا تالفا له عينان كبيرتان تظللهما قبعة أعلى الرأس. تدور جيني إلى الوراء، خلفها يقف هيلموت وانكل. يبدو شديد العصبية ومضطربا: يقضم ظفرا بلا توقف. مصابا أيضا ببرد سيىء وسعال.

جيني: أنا آسفة أنا متأخرة ولكن الطقس سيىء جدا. بعض الشوارع اقفلتها الثلوج.

وانكل: لا بأس. أحسن الناس دائما يتأخرون.

جيني: أن الجو هنا صقيع. اليس كذلك.

وانكل. العديد من الناس يشكون من أنه دافئ زيادة عن النوم.

جيني: سامحني ولكن ما هذه الرائحة الكريهة؟

وانكل: إنه التسارع في الموت الموضعي الذي يحل بالنسيج الحى.

كل هؤلاء الناس... ( متفحصا نفسه) تماما.

جيني: إذن فقد تأخرت بالحضور.

وانكل: للأسف. انتهت الحفلة. ولكن لم يفتك شيء ذو بال.

لا استطيع أن أرى سببا يجعل الناس تصرعلى مثل هذه " الحفلات التنكرية ".

جيني: هل هي حفلة تنكرية؟

وانكل: (مهددا) ألم تكوني على علم بذلك؟

جيني: (بتلهف) نعم، حتما.

وانكل: وماذا ستفعلين الآن.

جيني: لا أعرف. ( بلهفة) هل أدركت أن هذا حلم:

وانكل. (يسعل) هل انت متأكدة؟

جيني: نعم، هذا حلم. كل هذا المشهد السخيف برمته وليد

مرضي: لا تنسى أنني طبيبة على جانب كبير من التجربة، أنه حلم.

وانكل: الإنسان يستيقظ حتما من الحلم عادة.

جيني. هذا بالضبط ما انوي فعله.

وانكل: يمكنك أن تحاولي.

جيني: استيقظ عندما أريد أنا.

(يفتح باب ويخطو خارجا من الظلام رجل ضخم يلبس ثيابا غريبة. وجهه طويل ملئ بالمندوب ومنخاره ضخم وفمه كبير، إحدى عينيه اقتلعت من مكانها. يضع على رأسه قبعة نابليون عليها مربعات.

هذا الشكل المزخرف والذي يبدو احدب تقريبا يلف نفسه بنوع من ثياب مهرج. يسير نحو الغرفة على أرجل ملتوية. الجميع يحيونه باحترام ملئ بالرعب. يدور نحو الجد والفتاة الصغيرة التي تتعلق خائفة بالرجل العجوز.

يسيل الشمع على وشك أن ينطفئ. تزداد الحالة هدوءا. المهرج الكبير يبتسم للفتاة الصغيرة في الفستان الأحمر ولكن ابتسامته على ما يبدو تزيد رعبها. الجد يقوم بحركات ضعيفة وكأنما ليدفع أذاه بعيدا).

جيني: (تهمس) ماذا يحدث

وانكل: ذلك الذي لا تستطيعين فعل أي شئ تجاهه.

جيني: لا أريد أن أرى.

وانكل: لست مضطرة لذلك. خلال بضع دقائق سيطفأ ذلك الضوء.) تلك اللحظة ينطفئ الضوء. خلال ثانية استطالت استطالة لا نهائية ترى جيني المهرج- ذا العين المقلوعة يقوم بحركات نحو الفتاة الصغيرة التي تضغط نفسها نحو جدها، ولكن بلا جدوى.

جيني تسمع نفسها تنادى. تستدير بعيدا - تركض بضع خطوات في الممر و تقف أمام باب صغير. وانكل ما يزال معها)

وانكل: انصحك الا تفتحي ذلك الباب.

جيني: دائما تحاول إخافتي.

وانكل: حسنا. هذا خطؤك.

جيني: إذا فتحت ذلك الباب، سوف استيقظ.

وانكل: لا يمكنك الاستيقاظ.

جيني: استطيع إذا حاولت.

وانكل: حاولي.

جيني: فجأة اتذكر شيئا (تتوقف) لقد خربت انتحاري.

وانكل: ليس تماما.

جيني: ماذا تعني؟

وانكل: تلف في المخ بسبب نقص الأوكسجين. ألم تسمعي بمثل هذه المصيبة؟

(يجلس على كرسى , يخلع نظارته ويحملق بحزن في جيني)

جيني: لا يمكن أن تكون الأمور بهذه الفظاعة.

وانكل: نعم يمكن أن تكون ! انعدام شفقة مطلق ويمكن أن تكون إنزال عقوبة بالنفس.

جيني: هل سأعيش دائما بهذا الشكل؟

وانكل: يبدو أن هذا هو المحتمل.

جيني. ألن استيقظ أبدا؟

وانكل: لا تخافي سوف يبقونك حية بكل الوسائل المتاحة لديهم. سواء كنت مستيقظة أو فاقدة للوعي.

جيني: إلى متى؟

وانكل: حتى تموتي. بشكل كامل.

جيني: وكم من الوقت قبل ذلك؟

وانكل. ثوان، دقائق، سنين. كيف لي أن أعرف.

جيني: لا يحزن ذلك.

وانكل: نعم يجوز.

جيني: إذن لا يهم إذا فتحت ذلك الباب.

وانكل: (بابتسامة متعبة ساخرة) منطقيا، مناقشتك لا يمكن دحضها.

جيني: على فكرة هل تعرف انت ماذا هناك؟

وانكل: كلا كيف لي أن اعرف.

جيني: إذن لماذا تحذرني؟

وانكل: نحن نرضى عادة بما اعتدناه من رعب. أما المجهول منه فهو اسوأ.

جيني: ولكن قد يكمن شيئا أفضل.

وانكل: ليس هنا.

كيف تستطيع أن تكون متأكدا جدا؟

وانكل: (يبتسم) هذا ليس فقط حلمك انت ياجيني. أننا نتشارك به.

جيني: سوف افتحه على أي حال.

وانكل: حتما. لك دائخا حرية اختيار ما تريدين.

جيني: ستغادر؟

جيني: (يبتسم) لا أريد أن أصل إلى مأزق أسوأ من الذي أنا فيه حاليا. (فجأة يستدير ويمشى باتجاهها. وجهه مشوه، عيناه الشاحبتان تحملقان بها بشكل خبيث. نفسه له رائحة شريرة يهز أصبعه لها) لقد كنت صبورا جدا معك يا عزيزتي جيني. لقد أجبت على أسئلتك المجنونة وساعدتك في رؤية ما حولك. كنت لطيفا وكريما. ولكن هل كنت للحظة واحدة مهتمة بمن أكون؟ هل قلت كلمة واحدة اظهرت فيها سرورك لرؤيتى؟ هل حاولت بأية وسيلة شكري على تحذيراتي اللطيفة لك؟ على فكرة، وجهك أصفر وهذه علامة سيئة. الآن سأخرج من حلمك وادخل فيما هو لي. مع السلامة.

(تفتح جيني الباب وتخطو نحو شقة الجدة والجد. تبدو تماما كما هي دائما ما عدا اضاءتها التي هي الآن رمادية وبلا ظلال ( مثل الضوء في يوم ممطر من أيام الخريف). تنادي الجدة وقد استردت أنفاسها بشكل كبير. عيناها تملأهما دموع الفرح. تنادى مرة ثانية وهى تذهب من غرفة إلى أخرى. أخيرا تغوص إلى أسفل على طاولة الطعام السوداء المشرقة. بشرتها الصفراء، كخشب الصفصاف، وفستانها الأحمر الغامق ينعكس بشكل طفيف في وجه الطاولة وكأنه ينعكس في مياه راكدة عميقة).

جيني: فقط لو استطيع أن استيقظ.

(تنظر حولها، كل شئ) مألوف ولكنه بعيد ومظلل. تدير رأسها نحو غرفة الاستقبال المفتوحة عبر الباب الفرنسي. هنالك في الداخل يبدو المكان أكثر إضاءة.

في منتصف الغرفة تقف المرأة ذات العين الكبيرة الواحدة بشكلها الواضح الملموس في الضوء السائل وتنظر اليها)

السيدة: أنت باردة.

جيني: نعم.

السيدة. يمكنك استخدام سترتي.

جيني: شكرا.

(تذهب المرأة نحوها وتلفها بسترة سوداء كبيرة تغطى الفستان الأحمر وأكتافها العارية. تشدها جيني حولها. تجلس أسيدة على كرسى بقربها)

السيدة: إذن انت الآن لم تعودي خائفة.

جيني: لا اعتقد ذلك.

(تمد السيدة ذراعها وتقرب جيني منها بإيماءة أم: جيني لا تقاوم فيغوص رأسها في صدر المرأة العجوز. السترة الطويلة الحالكة تغطيها كليا. في نفس اللحظة يمسكها أحدهم من ذراعيها بقسوة ويهزها ويشتمها. ضوء معذب متماوج يزداد توهجا وتوهجا فيثقب جفونها المغلقة).

جيني: اتركني لوحدي. لا أريد ذلك. لا أريد ذلك. الا تستطيع أن تتركني بسلام. لا أريد ذلك.

(الآن باستطاعتها أن ترى شباكا. يضرب ضوء الشمس وجهها ويحرق عينيها. يظهر أمامها وجه مألوف التقاطيع. أنه توماس.

تبدو مبلله بالعرق ورائحتها نتانة شديدة وقميص المستشفى رطب ومبقع. باستطاعتها أن ترى أرجلها العارية في مكان بعيدة عنها.

جيني: (تحاول أن تبتسم) اعتقد أن ساقي قد بترتا. الا يستطيع أحدكم أن يحضرهما من تلك الزاوية هناك ويعيدهما إلى موقعهما.

توماس: هاللو.

جيني: ماذا تفعل هنا؟

توماس: كنا سنذهب إلى السينما معا. أتذكرين؟

جيني: (وهى تهز رأسها) كلا.

توماس: لقد صمت فجأة ووضعت السماعة جانبا. لم أكن أدري ما أفكر به رغم أن الأمر بدا غريبا.

جيني: آه (متعبة) حسنا.

توماس: وهكذا أخذت اتصل بالهاتف ثم أضعه جانبا ولكن لم يكن هنالك أي جواب. ظننت أن لصا ما هاجمك. إنني لم أعد أعرف بما أفكر. كان الأمر مزعجا. هل أنت عطشى. ألا تحبين أن تشربي شيئا؟

جيني: نعم إذا تفضلت.

توماس: خذى هذا سوف أساعدك. انتظري لحظة، لا يمكنك أن تفعلي ذلك لوحدك. انتبهي الآن.

جيني" ( تشرب) شكرا (بخدر) أنا شاكرة جدا.

توماس: أخيرا انشغل بالى كثيرا لدرجة انني ذهبت وقرعت جرس منزلك. وعندما لم يجبني أحد أخذت البواب ليفتح لي الباب.

جيني: يا إلهي إنه شئ ممل. أنا شديدة النعاس. (تستعلم للاغراء، وهى عاجزة عن المتابعة أكثر من ذلك. الضجر القاتل يغرقها. "أيها المسيح" تتمتم مبحوحة وتغيب عن عالم الأحياء تاركة توماس على الشاطئ الذي تضيئه الشمس. وتعود إلى الأرض حيث الضوء يشبه الرماد الخفيف والهواء رطب، فج وبارد جدا.

تعود هى إلى شقة الجدة والجد تلبس الثوب الأحمر. تنتقل من غرفة إلى أخرى وهى تنادى أهلها بصوت صاف منفعل) جيني. ماما ! أين انت؟ أنا في المنزل الآن. لم انت مختبئة؟ إذا كانت هذه لعبة فهي ليست لعبة جميلة. اخرجي حالا ولا تخيفيني هكذا..

رجل في منتصف العمر يلبس معطفا رماديا يأتي باتجاهها تتبعه سيدة أصغر منه نسبيا. يظهران فجأة بدون توقع ويبدو ان مهمتين في أن يهرعا إليها ويرمياها أرضا.

الرجل طويل إلا أنه محدودب. عيناه زرقاوان صافيتان وشعره خفيف رمادي. تعبير وجهه قاس. المرأة المرافقة له جميلة جدا ذات تقاطيع متناسقة وعينان كبيرتان غامقتان. هي أيضا تعبير وجهها منفعل ومتسائل.

يقفان قريبا من جيني وينظران إلى الخلف وكأنهما يبحثان عن شخص ما أو كأنهما أخطا طريقهما.

جيني: ماما هذا أنا. بابا هذا أنا ! ألا تعرفانني؟

(تناديهما جيني ولكن انفعالهما هائل ولا يسمعان همسها. تعرف هي أن الأمر ملح جدا وأن عليها أن تقول الكلمات الصحيحة)

جيني: أنا مغرمة بكما أنتما الاثنين , لقد كنتما دائما طبيين معي.

كان أمر اختفائكما الفجائي غير طبيعي. لقد رأيتكما وأنتما ميتين وموضوعين في قاعة الجنازة. لم أعرفكما. أمي حبيبتي لماذا أنت منفعلة هكذا؟ ليس هنالك ما يجعلك مضطربة. لم أعد فتاة

التاسعة من العمر الآن. لقد كبرت وأخذت حبوبا منومة لم يختف تأثيرها بعد وهم في المستشفى يبذلون جهدا كبيرا من أجلى.

لا تستطيعين أن تتمالكي اضطرابك في كل شئ. يا أمي العزيزة الصغيرة، كل شئ كان يجب أن يكون صحيحا ومناسبا ونظيفا ومرتبا تماما. واولدى العاطفي جدا والدي كان يحب العناق والذي كان حزينا جدا وعصبيا جدا. كنا نجرح بعضنا البعض دون أن أقصد ذلك. فكرى بشكر مجرد في كل حياتنا، كل الأيام وكل الكلمات والأشياء الصغيرة. قضينا أوقاتا حلوة أليس كذلك؟ كنت طفلة ولم أكن أعرف ما سبب كل هذا (بغضب) كلا، أنت... لقد دفعت الباب وبقينا نحن مع ذنوبنا. دائما ضمير سيئ ودائما ملام ! (تبكى) اذهبا ولا تعودا أبدا. سوف أنساكما تماما حتى لا أرى عيونكما المضطربة ثانية، ولا اضطر لسماع صوتكما الجبان.

(يشعر والداها بالخجل والمهانة. ويبدآن بالهمس بصوت خفي لبعضهما البعض، وفى النهاية يصلان إلى اتفاق. تزرر والدتها معطفها وتشد الحزام حول خصرها النحيل، يضع والدها القبعة التي كان يحملها طوال هذا الوقت في يده اليسرى على رأسه، وتحت ذراعه اليمنى يحمل شنطة أوراقه).

جيني: (متعبة وييأس) الأمور دائما تسير على نفس المنوال. في البداية أقول أحبكما ثم أقول أكرهكما، ثم تتحولان أنتما إلى طفلين خائفين خجلين من نفسيهما، ثم أعود وأشعر بالأسى من أجلكما وأحبكما مرة ثانية. لا استطيع أن استمر بعد الآن. (تضربهما في نفس الوقت الذي تحاول أن تعانقهما وتقبلهما. يدافعان عن نفسيهما دفاعا اعرج وبحركات غير حقيقية. تتمزق ملابسهما بصوت هش، حشن. تحاول جيني أن تتسمك بهما رغم أنهما يتراجعان بسرعة باتجاه الغسق الذي يتدرج نحو الظلام).

أخيرا تتعثر بفستانها الأحمر وتسقط أرضا.

توماس: جيني !

(تفتح عينيها وتنظر حولها. أنه المساء). ضوء السقف مشتعل. ومصباح الليل، بوهجه غير المباشر، أيضا يحترق)

جيني: يا لها من رائحة كريهة هنا وأنا نتنة وقذرة.

ألا تمتطين أن تطلب منهم أن يغسلوني؟

توماس: زوجك هنا.

جيني: (ببسامة ووضوح) ليس الآن!

(فات الأوان. فتح الباب بتنهيدة خافتة وتظهر ممرضة ولكنها تخرج خارجا فورا تاركة مكانا لأريك زوج جيني. يخرج توماس بلباقة ويترك الزوج والزوجة لوحدهما. ينظران إلى بعضهما البعض بخجل. عينا أريك يشوبهما الإحمرار من التعب بعد رحلة الطائرة الطويلة أو من الحزن، يصعب القول. ولكنه أنيق الملبس ببذلته الخفيفة الصيفية الحديثة الشكل وشعره المنمق. فمه الضعيف يرتجف قليلا ووجها شاحب جدا. يحمل في يده الشريط الذي يحتوى على رسالة جيني).

إيريك: ( يبتسم) حسنا، انت تملكين موهبة في الخروج بالمفاجآت.

جيني: نعم، الست كذلك.

ايريك: جئت مباشرة من المطار.

جيني: يا ايريك المسكين. لا ريب أنك متعب جدا. ايريك. كلا، ولا بأي شكل..

جيني: الا تجلس؟

ايريك: اوه نعم. نعم، حتما.

(عندما يجلس ويقترب كثيرا منها يشكل خجلها أكثر من حاجز).

جيني: رائحتي كريهة. أنا آسفة.

ايريك: كلا، كلا يا عزيزتي هذا لا يهم.

جيني: الا تستطيع الحضور غدا؟ عندئذ نكون نحن الاثنان قد استعدنا نفسينا قليلا.

ايريك: نعم، حتما. رغم إنني غدا مضطر للعودة بالطائرة. هذا شئ لا أمل يرجى منه ! على أن أكون رئيس لجنة...

جيني: يا للمسكين، انت !

ايريك: آوه أنا لا بأس بي.

جيني: أنا أسبب المشاكل دوما.

ايريك: كان شيئا رهيبا لو انك... لم أكن لأستطيع أن... كل حياتي لم أكن كثيرا...

جيني: سامحني!

ايريك: لماذا فعلت ذلك؟

جيني: سامحني. سامحني.

(نفس نبرة الصوت. العيون السوداء الواسعة، الشعر المسدول بالتعرق يتدلى فوق الحاجب الأبيض. الشفاه ملتهبة - طفلة اصطادتها عذابات الموت المريرة. هذا كثير على ايريك. يخفض عينيه وينظر إلى يده البيضاء بخاتم الطبيب والأظافر المنسقة)

يريك: (بهدوء) ادركت انني مسؤول بشكل كبير عما حدث. رغم إنني لا أعرف كيف. حاولت أن استخرج اسبابها...

جيني: مرة ثانية يا ايريك.

ايريك: هل تعتقدين أن بإمكانك الاستراحة الآن؟

جيني: نعم اعتقد ذلك. رجاء لا تضطرب. لا حاجة لذلك.

ايريك: توماس هذا يبدو إنسانا محترما.

جيني: نعم.

ايريك: هل عرفتما بعضكما منذ فترة طويلة؟

جيني: كلا.

ايريك: من الواضح أنه طبيب ولكن ليس منا في هذه المستشفى، طبيب امراض نساء ليس كذلك؟

جيني: نعم.

ايريك: ماذا تريدين أن أقول لجدتك؟ ستسأل حتما.

جيني: قل لها الحقيقة.

ايريك: ولأنا.

جيني: على أن اتكلم معها بنفس. تستطيع أن تتصل بها وتسأل كيف تسير الأمور معها في المخيم.

ايريك: نعم سوف افعل.

(يتحول السكون بينهما إلى حائط صلب بشفاف. هما الاثنان انهكتهما العاطفة والحزن)

جيني: وداعا يا عزيزي. سنبقى على اتصال ! أيه؟

ايريك: وداعا الآن.

(ويغادر هو).

تدير جيني وجهها جانبا وتقفل عينيها. فجأة تجد نفسها في غرفة مقوسة منخفضة. خارج الشباك الشتاء والثلج يسقط كثيفا. تضاء الغرفة. بمصباحين كبيرين معلقين في السقف. أنهما يرسلان نصف ضوء أصفر قذر يساعد في كشف الدهان المتقشر على الحائط والأرض القذرة، وقطعة القماش المبقعة التي لا لون لها وموضوعة على طاولة المؤتمرات. امرأة عارية تجلس في كرسى الولادة مغطاة بشرشف متربا. هي ميتة وبضعة أطباء بمعاطف بيضاء تجمعوا حولها يتبادلون الرأى همسا.

تجلس جيني على أحد جانبي الطاولة بفستانها الأحمر وعلى كتفيها العاريتين معطف طبيب. ترى الآن أن السيدة الميتة على كرسى الولادة هي ماريا.

يجلس الأطباء على المائدة. ينظرون عبر أوراقهم, يشعلون السجائر، يشربون المياه المعدنية، يهمسون فيما بينهم. دكتور وانكل ينظر إلى جيني معبرا عن اهتمامه ويومئ برأسه مشجعا.

جيني: قالت إنها تحبني. اعترف انني لم أفهم معنى هذه العبارة. بالإضافة إلى ذلك، فهي نفسها فعلت ما بوسعها للخبطة الموضوع، ارجوك اسمع ! من حقي أن ادافع عن نفسي قبل إحالة القضية.

يحملق الرجال فيها متفاجئين وكأنما تعنيفها لا لزوم له.

جيني: (بعنف شديد) لا أرى سببا لذلك كله.

إذا ما حطمت أيا من القوانين سواء العلمية أو الأخلاقية التي أقسمنا أن نحترمها، عندئذ تقاضيني.

(لا يتحرك أحد أو يثير ردود فعل. لا أحد يحملق أو يتفهم الأمور سرا. يمسك وانكل رأسه بين يديه ويرسم عابثا على ورقة. تعكس نظارات الرجل الجالس بجواره، الضوء.

تتضايق جيني. تقف على قدميها فتتدحرج الكرسى أمامها ويفرد المعطف الأبيض على الفستان الأحمر. تقف لحظة ويداها مقفلتان بإحكام تنظر إلى أسفل على الطاولة)

جيني: ذلك الجسد الناعم، تلك الذراعان الناعمتان وهذان الثديان الضخمان الناعمان. ثم ذلك الفم الذي كان دائما ناعما ومبللا ونصف مفتوح. شعرت بقرف جمدي حاولت مقاومته، وعندما لمستنى حاولت أن أقاتل لأسيطر على نفسي لأوقف نفس عن ضربها.

(تسكت ثم تنحني إلى أسفل، تلتقط الكرسي وتجلس)أنا متأكدة أن هنالك شيئا يسمونه الحب. أنا اعتقد انني قابلت اناسا يحبون أو أحبوا. (تقفل عينيها وببطء تضع يديها على وجهها. بعد بضع دقائق من الصمت الكثيف تخفضهما وتتكلم بقسوة) حاولت أن أعيش مثل أي شخص آخر. وفشلت. هل تعتقد إنني لا أرى نفسي؟ (تصرخ عاليا)

لا أملك الكلمات لأقول ما اعني. عبث الأمر (تتوقف) هذا صعب جدا. أنا لست قادرة عليه (تتوقف)مرة واحدة في حياتي استطعت أن أفهم إنسانا آخر. لبرهة قصيرة. أفهم إنسانا ! هل ترى.....

(الوجوه استدارت نحو وجهها، العيون، الأفواه، الأيدي. الجسد الإنساني العاري يتلألأ هناك خلف ابتسامات الرجال المهذبة، الوجه المقفل الميت. خلف النوافذ المقوسة الغسق الرمادي والثلج. كل هذا.

وانكل: هل عندك شئ آخر تقولينه؟

وانكل: إذا انتهى الاستماع.

جيني: ما الذي سيحصل لاحقا؟

وانكل: القضية سوف تعرض على اللجنة تبعا للأخلاق الطبية.

جيني: ثم ماذا؟

وانكل: بعدئذ؟ لا شئ.

جيني: لا شئ.

وانكل: كلا، حتفا لا. ذاك أكثر الأمور غرابة.

جيني: لا شئ؟

وانكل: ماذا توقعت؟

جيني: عقابا.

وانكل: هكذا تفترضين. حتى ولو كنا نحتقر بعضنا البعض خلف المظهر فعلينا أن نتمسك ببعضنا ظاهريا. أنت تعرفين ذلك كما اعرفه أنا.

جيني: لا شئ... لا شىء... لا شئ....

(عندما تستيقظ جيني من حلمها يكون قد حل الليل. ترى شخصا جالسنا في كرسى الزوار. تضئ الضوء بقرب السرير لترى من يكون...

ربما هو شبح. أنه توماس. يلبس سترة صوفية ويلف ساقيه بحزام صوفى ويرفع رجليه على الكرسى الآخر. بالقرب منه. يوجد ترموس قهوة وبعض الجبن وشطائر من السجق. عندما تفتح جيني النور ينظر بطرف عينيه ناعسا)

جيني: ما الوقت؟

توماس: سأنظر لأرى. واحدة ونصف.

جيني: ما هو اليوم؟

توماس: الثلاثاء. سوف يبزغ النور قريبا. الثلاثاء الثاني عشر من يونيو.

جيني: آه.

(ببطء وببطء يبزغ الفجر على جيني. من الغريب حقا أن يكون توماس في غرفة التمريض التي تقيم فيها في الساعة الواحدة والنصف. الساعات الأولى ليوم الثلاثاء الثاني عشر من يونيو. توماس: كيف تشعرين؟

جيني: لا أدري (تتوقف) توماس !

توماس: نعم.

جيني: لماذا تجلس هنا لتراقبني؟

توماس: لدي أسبابي.

جيني: آه.

توماٍس: على أي حال أنا طبيبك.

جيني: لا أعرف ذك.

توماس: كلا. ولكنك الآن تعرفين.

(يتوه الاثنان كل في أفكاره. تغرق جيني مجددا في حالتها الثانية، التي تنتظرها خلف الحائط. تبذل مجهودا لتوقف نفسها)

جيني: هل لديك قهوة في هذا الترموس؟

توماس: نعم.

جيني: هل تعتقد أن بإمكاني تناول قليل منها؟

توماس: كلا اعتقد أنك سوف تشعرين بمرض حقيقي إذا ما بدأت بتجرع كمية كبيرة من القهوة القوية. ولكن بإمكانك تناول عصير الفاكهة.

جيني: كلا شكرا.

توماس: من المفيد لك تناول شئ

(يساعدها على الشرب، يقلب المخدة، يعود الى كرسيه. صمت)

جيني: كيف ستقوم بعملك إذا ما جلست هنا ليلأ ونهارا؟

توماس: أنا في إجازة.

جيني: آه. الم تجد طريقة ألطف من أن تقضيها وأنت تراقب انتحارا متعثرا.

توماس: كلا.

جيني: اخبرني عن نفسك.

جيني: عندما كنت في التاسعة تعلمت أن اتجشأ. أخي الأكبر علمني. في يوم من الأيام وأثناء تناول الغداء وجدت أنه من المناسب استعراض موهبتي التي اكتسبتها أمام العائلة المجتمعة. انتظرت فرصتي ما بين كريات اللحم وفطيرة التفاح

جيني: (باهتمام) حسنا؟

توماس: لم تكن ناجحة. لشدة رعبي أثناء الأداء " أخرجت ريحا" في نفس اللحظة التى تجشأت فيها. وبالإضافة إلى ذلك كان " اخراج الريح " أعلى صوتا من التجشؤ الذي صدر عنى دون اتقان حرفي.

جيني: ( تبتسم) يا لتوماس المسكين.

توماس: عملت محاولة ولكنها فاشلة. أبعدت عن المائدة وحرمت من فطيرة التفاح والكسترد. نشأتي كانت صارمة جدا ولا أريد أن أقول متزمتة.

جيني: اخبرني أكثر. أحب أن اسمع.

توماس: لا أعرفا أن هنالك الكثير مما يستحق القول. حياتي كانت تقرينا خالية من الأحداث. والقليل الذي جربته حاولت أن أنساه.

جيني: أي شئ مقبول. ربما تكون قد قرأت شيئا أو قابلت إنسانا متمتعا أو ذهبت إلى سينما أو في رحلة.

توماس: بصراحة لقد مر عام منذ أن حدث أي شئ لي

جيني: وماذا حدث عندئذ؟

توماس: بعضهم تركني.

جيني. حقيقة طبعا. أنت الآن مطلق.

توماس: كلا. لا علاقة لذلك بزوجة ما.

جيني: آه.

توماس: كان صديقا من تركني.

جيني: آه

توماس: كنت مغرما به. ( يتوقف) كلا، هذا ليس صحيحا. أنا أحببته. عشنا معا لمدة خمس سنوات. قابلته في تلك الحفلة السخيفة التي أقامتها زوجة وانكل. أعتقد أنك عرفت من أعني.

جيني: الممثل.

توماس: نعم. هذه الأيام نحن "مجرد أصدقاء".

جيني: لماذا انفصمت هذه العلاقة؟

في سرقنا القاسي يا عزيزتي جيني تسود الخيانة والمنافسة لا ترحم. السيدة وانكل اعطت شروطا أفضل: قبلت صديقه الجديد وقبلت بأن ترعاهما الاثنان. وكما تعلمين عندها الإمكانيات.

جيني: ألم يكن مغرما بك بتاتا؟

توماس: اوه نعم. اعتقد ذلك. ولكنه جميل المظهر وعديم الذكاء وإلى حد ما محزب. ولذلك فقد فكر بأن يقوم بأي تغيير. عواطفي وغيرتي نحوه كانت أكثر مما يجب. (يقوم توماس بسكب القهوة لنفسه من الترموس ويختار قطعتين من السكر بعناية فائقة ويستمر في التقليب. وهو يبتسم كل الوقت) هل تحبين أن تنامى؟

(تدير وجهها إلى الحائط. يطفئ توماس الضوء الجانبي للسرير. في حديقة المستشفى ضوء النهار ساطع والعصافير تغنى. أنها تحدث صوتا رهيبا.

تقف جيني في مكتبها في المستشفى العام تلبس فستانها الأحمر.

هنالك مجموعة من الناس. تنقر جيني بقلمها على المكتب لتجعل نفسها مسموعة. تتوقف الهمهمة حالا وتدور كل العيون متوقعة، متلهفة نحو وجهها. تسأل بصوت خافت من هو أول مريض هذا اليوم؟ فيرفع واحد بين الجموع يده الجريئة، تشق طريقها نحوه وتسأل كيف هوا لآن. لا يجيبها، ولكنه يضع يده على وجهه ويبدأ في شد الجلد الذي يقتلع. كان يلبس قناعا ماهر الصنع - ولكن تحت هذا القناع وجهه مشوه بجروح نازفة وتروع مقيمة. ينظر إلى جيني نظرة استكشاف وهى بالكاد تحاول إخفاء قرفها. عندما يدرك أن جروحه تسبب لها الدوار يأخذ بوداعة منديلا كبيرا من جيبه ويثبته أمام وجهه)

جيني: يمكنك أن تعود بعد شهر. اطلب موعدا من الممرضة. لا تنس أن تأخذ دواءك.

(جيني تدور مباشرة نحو المريض التالى. امرأة ذات صدر ثقيل واكتاف مدورة. عيناها متسعة رعبا وخدودها مشدودة بشكل غيرطبيعى. قصاصة من الورق تبرز خارج فمها, تمسك جيني بنهاية القصاصة وتشد بحذر. شىء مكتوب على الورقة. تشد جيني القصاصة أكثر و أكثر خارج فم المرأة).

جيني: (تقرأ) ساعدوني ! لقد احدثوا قطعا في رأسي وازالوا اضطرابي، ولكن بعد أن اعادوا خياطة رأسي تركوا الخوف اليومى خلفهم.

(فجأة تقف جيني وجها لوجه مع جدها. ينظر اليها بتعبير مجروح. ثم يهمس شيئا ما. لا تستطيع سماع ما يقوله وعليها أن تنحني أكثر)

الجد: أنا أخاف أن أموت.

جيني: وكذلك أنا.

الجد: ماذا استطيع أن افعل.

جيني: عد حتى العشرة. إذا ما كنت لازلت حيا عندما تصل إلى عشرة عندئذ أبدأ ثانية.

الجد: وبعد ذلك؟

جيني: فقط استمر. عليك بالعد فحسب.

الجد: هل تعتقد أن هذا يفيد.

جيني: عليك أن تضع شيئا مهما بينك وبين الموت كل الوقت. وإلا فسوف لا تحتمله.

الجد: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة (ينقطع العد) مازالت خائفا.

جيني: نعم , أنا أفهم تقريبا. سامحني.

(تدور جيني بعيدا. ثم ترى ابنتها أنا تقف بعيدا قرب الحائط، تلبس قميصا رماديا ترابى اللون، تبكى بصمت، كتفاها محدبتان. أخيرا تصل جيني اليها وتمد ذراعيها لتدفئها وتحميها وتعانقها ولكن أنا تتجنبها. ينظر توماس اليها بصرامة. تتمسك بيده التي يلبس فيها قفازا.

جيني: لو فقط ولمرة واحدة امتلك الكلمات المناسبة. مجرد مرة واحدة.

توماس: تماما ياجيني. أنهم يجلسون هناك في الظلمة، مرضاك، يتشوقون للكلمة الصحيحة. ولكن يجب أن تكون كلمتهم هم، إحساسهم هم وليس كلمتك وإحساسك.

جيني: اعرف تلك الوحدة - وحدة الناس في عزلتهم - أنهم شجعان في تلك الوحدة. كالأطفال في الظلام الذين صمموا الا يرفعوا الصوت عاليا حتى لا يخافوا أكثر إذا لم يأت أحد إليهم. يبكون بصمت وكبت في وحدتهم (تتوقف) الرأى البشرى هش ضعيف. أن تمسك رأس واحد ما بين يديك وان تشعر بتلك الهشاشة بين يديك... وداخلها كل الوحدة وقابلية التطوير والفرح والضيق والذكاء وإرادة الحياة و... (تتوقف) يد إنسان هرم... كان اليوم طويلا ومتعبا ولكن المساء جاء، اليد التي تفتح. (تتوقف) لا أستطيع أن استمر، كلا.

توماس: في أحد الأزمنة كان هنالك أمير قوى عذبته رغبة عامة للعاطفة. خرج وامسك برعاياه في شبكة صيد كبيرة ثم أخذهم في قافلة من البغال المحملة إلى قصره. وهناك عذبهم وعندما أخذوا يئنون من الألم حاول أن يريحهم معبرا عن ذلك بالعواطف والهدايا. ما بالك؟

جيني: لا استطيع التحمل بعد الآن.

تدير رأسها فتنظر إلى حائط المستشفى الأبيض. تستلقى في سريرها بينما يمتد ضوء النهار النافذة.

جيني: ما هو اليوم بين الأيام؟

توماس: مازال اليوم الثلاثاء.

جيني: وما هو الوقت؟

توماس: لقد نمت لعدة دقيقتين.

جيني: (تبكى) لماذا يخيفون الأطفال ويقتلونهم؟ كيف نستطيع أن نتظاهر بأن هذا لا يحدث؟

توماس: ماذا تعنين.

جيني: أن الأطفال يموتون. أن الأطفال يعاملون معاملة سيئة. أن الأطفال يموتون جوعا. لا حياة بوجود هذه الأشياء.

ماذا نفعل ببعضنا البعض؟ كيف اتظاهر بأن هذا لا يحدث.

توماس: اعتقد أنك تدفعين بدل هذه اللامبالاة ألما نفسيا بالغ الأثر.

جيني: ماذا سيحدث؟

توماس: لا اعرف. عندما هجرني صديقي، دخلت إلى سيارتي وقدتها نحو واد صغير. جلست هناك مسجونا لبضع ساعات والمياه تصل إلى أنفي. ثم اخرجني أحدهم خارج الخربة وقد سحقت قدمي.

جيني: هذا ليس بجواب.

توماس: أنت تشتكين من أن الإنسان ذئب في مواجهة انسان آخر. بموضوعية، لا تستطيعين فعل أي شىء تجاه هذا الموضوع. الشفقة هي نوع من العبث في الحب وغالبا ما تنتهي باخفاق عصبي تام. أو: هستيريا سياسية. أنها مسألة ذوق في اختيارك (يتوقف توماس عن الكلام وينظر خارج الشباك. في ضوء النهار الساطع يبدو شاحبا وبائسا، عيناه تعبتان ومحتقنتان بالدم وذقنه غير حليقة) يتبادر إلى ذهنك أنك محاطة بأطفال كبار؟ لا يجوعون بأجسادهم ولكن بعقولهم. يموتون. ليس بسبب إطلاق الرصاص ولكنهم يطاردون ببطء ومنهجية نحو الموت في مجتمع قاس بشكل عام كقسوة مجتمعات العصر الوسطى. في كل الاتجاهات يعذب الأطفال الكبار والصغار ويتألمون ويموتون. لسوء الحظ لا تستطيعين فعل شئ تجاه هذا.

(خلع نظارته وواصل النظر بعينين طارقتين. تتابعه جيني ناظرة اليه من زاوية عينيها)

توماس: هكذا الأمر.

جيني: هل تؤلمك عيناك؟

توماس: عندما كنت شابا وسكران سبحت مرة في أحدى قنوات فينيسيا. كان على أن أعرف الأمور أكثر. التقطت التقطت التهابا فيروسيا مزمنا في قرنية العين. يؤلمني أحيانا إيلاما شديدا فتطرف عيني.

جيني: على أي حال. لا أعرف ماذا أفعل.

توماس: منذ ملايين السنين تراكضت بضع خلايا من النخاع الشوكي مسعورة إلى رأس سعدان وبدأت تنقسم كالسرطان.

وفجأة وجدت هناك.

جيني: من، ماذا؟

توماس: العقل البشرى. أداة مجنونة ليس لها نسخة مماثلة في بقية علم الحيوان. هكذا وجد مثل قبعة صوفية كبيرة رطبة معلقة على الحاجات البسيطة للعقل العجوز وغرائزه. هكذا هو كائن يرسل الرسائل شمالا ويمينا وفى كل اتجاه. مركز قيادة جيش تحركه الكومبيوترات وله مشات الآلاف من الجنرالات المبرمجين والذين يفترض بهم أن يقودوا قبيلة صغيرة محلية عبر مخاطر الحياة والأدغال. من الطبيعي أن تكون النتائج مترنحة , وهى كذلك.

جيني: تعال واجلس هنا. على حافة السرير.

توماس: حسنا هأنذا. ماذا تريدين:

جيني : لا شىء محدد. ولكن هذا أمر لطيف.

توماس: (بعد توقف طويل لم أنا أرى فعلا أن للمياة فترات من الروعة. وينوع من الموضوعية اعترف أنها حتى جميلة بشكل غير عادى. وكريمة. وعقلانيا استطيع أن استوعب أنها تقدم جميع أنواع الأشياء. ولكنني آسف فقط أن أقول انني شخصيا اعتقد أنها كومة من "الخراء".

(يتوقف عن الكلام وينظر إلى الحائط. ثم ينظر إلى جيني بعينيه الطارقتين، المحاطتين بالإحمرار الذي ربما زاد من حجمهما. تقابل جيني حملقته بعد أن قررت أن تنظر إلى داخل عينه اليمنى التي تبدو أفضل من اليسرى.

ثم تلاحظ أنه يبكى. بدون صوت، دون أن يحرك وجهه، تسقط الدموع واحدة اثر الأخرى مترددة بشدة، على خده. يتناول منديلا نظيفا فيمخط أنفه ويجفف عينيه)

جيني: (متأثرة) هل أنت تبكى يا توماس؟

توماس: كلا، كلا بحق المسيح. أنه فقط ذلك الالتهاب في العين. سامحيني اذا ما ذهبت إلى حمام الرجال لبرهة من الزمن.

جيني: توماس !

توماس: كلا، كلا لا تتصرفي بسخف الآن. أنها توخزني. بشكل جهنمي.

سأخرج وآخذ سيجارة وآخذ مزيدا من القهوة (بحركة اعتذارية يتجه نحو الباب) سأعود فورا.

(بلحظة يتمكن من مغادرة الغرفة. خارج النافذة يسود الصباح. تمطر مؤقتا. تسقط جيني نائمة في نفس اللحظة. ترى نفسها مستلقية في تابوت أبيض. وضع في غرفة جلوس الجدة. الشبابيك والخيطان مغطاة بالشراشف وكذلك العفش مغطى هوا لآخر. حزم الزهور البيضاء في كل مكان. في كل هذا البياض هنالك مجموعة من الناس ترتدى لونا أسود. والسيدة الميتة تلبس اللون الأحمر، فستان واسع جدا فضفاض لدرجة أنه ينتفخ خارجا فوق حافة التابوت بطريقة داعرة. في قدميها تلبس جوربا أحمر وحذاء، ذراعاها عاريتان مضمومتان على جانبيها وباطن الكف ملوى إلى أعلى. رأسها مستلق بشكل مسطح والشعر مسترسل ومزين بزهور بيضاء. عيناها مفتوحتان على اتساعهما وهى تتابع المجريات بدهشة مرعوبة.

ترى جيني أن أحد رجال الدين خطا إلى الأمام نحو التابوت. يلبس غفارة واسعة وصلينا فضيا كبيرا في سلسلة. ينحني فوق جيني في التابوت. تقابل عينيه برعب.

رجل الدين: ربما كانت حية منذ فترة وجيزة ولكنها الآن ميتة واستطيع تأكيد ذلك. لذلك دعنا نسير في المراسيم. لم يقترب الجميع من التابوت ويبدو عليهم الاعتداد بأهميتهم. تقف جيني متجهة نحو توماس الذي يقف في إحدى الزوايا حبني: هذا ليس بالأمر الذى يستدعى الحزن.

توماس: ليس هذا هو الموضوع الذي أبكى من أجله. (لقد تقدم رجل الدين بعلبة صغيرة من الرمل أحضرها من تحت غفارته الفضفاضة. يأخذ بضع قبضات ويرميها إلى داخل التابوت.

رجل الدين: احضر الغطاء لقد بدأت تنتن، اعتقد أنهم كالعادة أفسدوا عملية التحنيط.

(يتوجه كل واحد نحو زاوية، حيث يغالب أهل جيني غطاء التابوت الذي يبدو ثقيلا عليهم. يترنحون وهم يقتربون به. تقوم جيني في التابوت بحركة مذعورة مفاجئة وكأنها تحاول الجلوس ولكنها تسقط إلى الخلف وهى تصرخ صرخة احتجاج خافتة. الغطاء ينخفض. الأيدي المنمقة تقتحم لتدخل الثوب الأحمر المنتفخ إلى داخل حواف التابوت. بالرغم من ذلك فإنه عندما يوضع الغطاء أخيرا في موضعه يبقى العديد من المواد خارجا. هنالك همسات مضطربة. يذهب رجل الدين إلى طاولة العمل الخاصة بالجدة قرب النافذة. يأخذ من أحد الأدراج مقصا كبيرا ويناوله لأحد الذين يلبسهن ثوب الحداد فيأخذ فورا في قص قطع القماش المتالاة.

قرع خافت يسمع من داخل التابوت ولكن لا أحد ينتبه. يبدأون في شد براغي الغطاء. يبدأ رجل الدين وبعض الذين يلبسهن ثوب الحداد يغنون شيئا يفترض أن يكون ترنيمة. فجأة يبدأ التابوت بالاحتراق. زحفت جيني وأوقدت النار فيه ! نلتقط نظرة خاطفة للثوب الأحمر وزوج من الأذرع المتماوجة بهلع وفم فاغر. ثم كل شئ يتحول إلى شلة ضخمة. تستيقظ جيني. يعود توماس ومعه ترموس قهوة طازج. يجلس محاولا إغلاق فمه المتثائب على مصراعيه دون أن ينجح جيدا. فيبتسم معتذرا).

جيني: ( بعد وقفة طويلة) عندما كنت طفلة كنت أخاف من الموت. كان يبدو حولى من كل جانب. عندما دهس كلبى البودل وكان هذا اسوء شىء بالنسبة لي. أمي وأبى ماتا في حادث سيارة. اخبرتك ذلك ألم أفعل؟ (تتوقف) ثم ابن عمي مات من شلل الأطفال. كنت في الرابعة عشرة عندئذ. كنا نجلس تحت طاولة الطعام نقبل بعضنا يوم السبت. الجمعة الذي يليه كان ميتا.

أجبرتني جدتي على الذهاب إلى الجنازة. توسلت ورجوت لأعفى من ذلك ولكن جدتي لم تلن. كان ممددا في تابوت مفتوح 0 وكان هنالك عدد كبير من الناس وأمه لم تتوقف عن البكاء. وكان يبدو مضحكا. طلبت جدتي منى الذهاب نحوه والنظر إليه وأن (أودعه) حسبما وضعت العبارة. تخيلت أنه يتنفس وأن جفونه ترتعش. قلت ذلك لجدتي. قالت هذا تخيل نظري عادى وانني يجب أن أسيطر على نفسي. عندما اقفلوا براغي الغطاء تأكدت أن جوهان سوف يستيقظ هنالك في الظلام بعيدا تحت الأرض. عندما وصلنا إلى البيت بعد الجنازة قلت لجدتي انني أكرهها. ضربتني على اذني بقبضتها بقسوة وطلبت منى الا أكون هستيرية. كانت آسفة بعد ذلك واعتذرت ولكنني لم أغفر لها.

توماس: لقد اعتبرك الجميع دائما معجزة في التعقل. اليس كذلك.

جيني: اتبعت المبدأ القائل انني سأعزم على أن أشعر هكذا فأشعر هكذا. وقررت ألا أخاف الموت بعد الآن ولا الموتى. وقررت أن اتجاهل حقيقة أن الناس تموت كل يوم وكل لحظة. لم يعد الموت موجودا بعد الآن إلا كفكرة غامضة وهذا كل شيئ " (تتوقف) قبل أن اتزوج سكنت لفترة من الزمن مع فنان مجنون. مرة عندما كان غاضبا منى قال لي أن برودتى كاملة لدرجة أنها مثيرة للاهتمام. غضبت أيضا وقلت أنا باردة معك فقط.. أما مع الرجال الآخرين فأحصل على المتعة الجنسية. عندئذ قال في الملاكمة فقط يمكن أن تحصلى على ضربة قاضية (تتوقف) في إحدى الأمسيات في حفلة ما , ليس منذ زمن بعيد، قرأ بعضهم بصوت عال قصيدة عن الحب والموت وكيف أن الحب والموت يختلطان وهما يتضمنان بعضهما البعض.

توماس: حسنا؟

جيني: اتذكر انني كنت ساخرة تقريبا من تلك القصيدة. غباء منى. الا تعتقد ذلك؟

توماس: نعم، ربما.

جيني: نمثل المسرحية. نتعلم الأسطح الخاصة بنا. نعرف ما يريد الناس أن نقول. نكذب. في النهاية الأمر ليس مدروسا. ترويض النفس (تتوقف) ارتباك. كبرياء. اذلال. ثقة بالنفس، نقصانها. الحكمة التي هي البله والشكل المعاكس. العجرفة والحساسية المفرطة. يسهل جرحها، اواه أنه، يسهل جرحها بشده. سريعة الغضب، سيئة المزاج ولكنها مكبوتة في كل مكان مكبوتة صموتة مشلولة قادرة. ضميرها حي. تستطيع الاعتماد على جيني. كأنما هي شيئ حقيقي ! محرك طيارة أو قارب تجديف. والدي كان لطيفا جدا وكان يشرب. كان يحب التدليل. كنا متوافقين معا هو وأنا. ثم تقول والدتي وهى تسير متجاوزة، يكفينا هذا القدر من العاطفية. ثم تمر

الجدة متجاوزة فتقول: قد يكون والدك شخصا عزيزا ولكنه كسول. ووافقت والدتي على ما قالت جدتي. كانتا تدعمان بعضهما البعض في ازدراء والدي، وفى النهاية وقفت الى صفهما. كان الأمر بهذه السهولة. وفجأة أخذت اخجل من معانقات والدي وقبلاته. اعتقدت جدتي أنه سخيف وكسول وقد كنت متحمسة لإسعادها. ثم أصبحت لي طفلة خاصة بي. كانت لأنا صرخة مضحكة لم تكن مثل باقي الأطفال. لم تكن تبكى غضبا أو لأنها جائعة أو مبللة. كانت أميل إلى النشيج. كانت تمزق القلب، وفي بعض الأحيان كنت أريد ضربها لبكائها بهذا الشكل وأحيانا أخرى كنت رغما عنى حنونة. ولكن كل الوقت أجد نفسي تعترض الطريق. خوف أناني من أغرب ما يكمن: لا أستطيع أن أدع نفسي تتركني. وعندئذ يخرج الفرح من كل شيئ. (وقفة طويلة) أذكر أول مرة سمعت ماما تبكي. كنت في غرفة الأطفال وسمعت جدتي ووالدتى يتكلمان وكانت نبرة جدتي جافة ومضحكة في آن. ثم صرخت والدتي. لم يكن عندي أية فكرة حول سبب الصراخ. شعرت بخوف شديد غالبا بسبب أن صوت جدتي كان يبدو كريها. ركضت الى غرفة الجلوس. كانت والدتي تجلس على كرسي منخفض بقرب النافذة تبكى. وجدتي واقفة في منتصف الغرفة. عندما دخلت أدارت وجهها ونظرت الي. وكان وجه جدتي ومع ذلك لم يكن وجهها، كانت تبدو كالكلب المجنون الذي كان على وشك أن يعض ! وازداد خوفي وركضت نحو غرفة الأطفال وصليت إلى الله لأن تستعيد جدتي وجهها الحقيقي وأن تتوقف والدتي عن البكاء. شيئ رهيب تلك الوجوه التي تتغير لدرجة أنك لا تعود تعرفها. في بعض الأحيان تلصق في حلقي. وفى البعض الآخر اعتقد أنها مقرفة.

توماس: ما هو؟

جيني: العالم يذهب إلى الكلاب وأنا طبيب أمراضي العقلية. هذا شيئ مخز.

توماس: منطقك يبلغ حد الروعة.

جيني: آه

توماس: أولا تأخذين حياتك بسبب الرعب، الحواجز والعزلة. ثم تزدرين جهودنا عندما نكسر طوق نفس هذه الحواجز والرعب والعزلة.

جيني: حينما يصل العالم إلى نهاية؟

توماس: العالم يبدأ ومنتهى بنفسك. هذا كل ما في الأمر.

جيني: (تنفجرلا أستطيع الكلام عن ذلك !

توماس: يجب أن تحاولي.

جيني: لا استطيع. لا أريد.

توماس: لا مجال لتجنب هذا. يجب أن تحاولي.

جيني: اتركني لوحدي. دعنى. رأسي يؤلمني. الا تستطيع أن تعطيني حقنة ما أو أي شيئ؟ (تضرب رأسها في الحائط) أن هذا أمحو من قدرتي على التحمل. لا استطيع الاستمرار.

توماس: يجب أن تحاولي. لا شىء أكثر أهمية !

جيني: اتركني. أنت تؤذيني ( تبكى) اتركني بسلام. دعنى اذهب وحق يسوع ! لا دخل لك في. أن اذهب بعيدا.

توماس: جيني، ارجوك.جيني، هذا مهم بالنسبة لي أيضا. لا تستطيعين أن تنسلي خلسة وتذهبي بعيدا.

جيني: اشعر بالمرض.

توماس: استلقى. تنفسي بعمق.

جيني: لا استطيع العيش بهذا.

توماس: تنفس عميق وبطئ.

جيني: لا تستطيعين أن تلبسي ذلك الفستان اليوم. أنه فستانك الأفضل ليوم الأحد. لمن تتمكني من فعل ذلك يا عزيزتي. دعيني أساعدك. تستخدمين حمرة الشفاه اليس كذلك؟ شيئ غير مناسب وأنت تعيشين في بيتنا. كلي ما لديك في طبقك. أنت متأخرة للمرة الثانية. ألن تتعلمي كيف تكونين دقيقة في مواعيدك. أنت كسولة ومفسودة. وإذا استمررت هكذا سنرسلك جدك وأنا الى مدرسة داخلية وسريعا ما تتعلمين أن تصلحي أساليبك هناك يا فتاتي.

في هذا البيت يا جيني يسكن اناس محترمون، اناس حاولوا أن يعيشوا في نظافة وصدق. عليك أن تتصرفي بشكل لائق إذا ما كنت تنوين أن تتابعي العيش هنا مع جدك ومعى. عليك أن تكوني ممتنة ولو أنك ولو لمرة واحدة تستطيعين إظهار شيئ من الامتنان. ( تصرخ بشكل يفطر القلب) لا تضربيني هكذا. لا يجوز أن تضربي وجهي. لا استطيع تحمل ذلك. (صوت آخر) سوف اعلمك حسن التصرف. ما هذه التفاهاتا؟ توقفي عن البكاء. لا أصدق هذه الدموع.

(تصرخ) سوف افعل ما أريد. لن تواصلي إصدار الأوامر لي. أنت عاهرة غبية ملعونة. أكرهك وأستطيع أن أقتلك. (تهمس) من الأفضل لك أن تقرري أخيرا. نعم، اعرف انك تحبينني. اعتقد. أنك حسنة النية. اعرف أنه على أن أفعل ما تقولين. لماذا، (شاكية) لماذا على أن أحمل ضميرا سيئا: (بكراهية) سوف استجدى غفرانك. اغفري لي. آنا اعتذر. اعرف إنني أخطأت. أنا دائما أخطئ. سوف أكون فتاة جدتي الطيبة الصغيرة. أنا حيوان جدتي الأليف. نستطيع أن نتكلم حول كل شيئ أنت وأنا. معك كل شيئ لطيف وهادئ وأمين. (تصبح شاحبة، عيناها تدوران نحو الداخل) أستطيع أن أرى كل الأثاث، كل الصور، أستطيع أن أرى صحن عصيدة والانعكاسات من الشباك في الزجاج المشع. كان لوالدتي رائحة حلوة، وكانت لها يدان صغيرتان مستديرتان ورؤوس أصابع مفلطحة وكانت يداها دائما دافئتين. (تهمس) إذا حبستني في الخزانة سوف أموت. (ينخفض الهمس أكثر) سأكون طيبة إذا لم تحسيني في الخزانة. أرجوك، أرجوك يا جدتي، سامحيني على كل شيئ ولكنني لا أستطيع أن أعيش إذا كان لابد أن أحبس في الخزانة. (حركات مشلولة بيديها. تتوقف. ثم بصوت صاف) هل تتخيلين حبس طفل يخاف الظلام في خزانة؟ اليس هذا مذهلا؟ توماس نعم أنه مذهل.

جيني: هل تعتقد إنني سأبقي مشلولة بقية حياتي.

هل تعتقد أننا جيش جرار من البؤساء المشلولين عاطفيا نتجول دائرين ونصرخ لبعضنا البعض بكلمات لا نفهمها تزيد من خوفنا؟

توماس: (متمتما) لا أدري.

(تحنى جيني رأسها وتجلس لوقت طويل صامته وحزينة.

ينحنى توماس إلى الأمام مترددا، يمد يده اليسرى ويربت على رأسها بحياء.

توماس: هنالك تعويذة لنا نحن الذين لا نؤمن.

جيني: ماذا تعني؟

توماس: بين الفترة والأخرى أرددها لنفسي بصمت.

جيني: ألا تستطيع أن تقول لي ما هى؟

توماس: أتمنى أن يؤثر في شخص ما أو شيئ ما حتى أصبح حقيقيا. أكثر وأعيد: اسمح لي أن أصبح حقيقيا يوما ما.

جيني: ماذا تعني بحقيقي؟

توماس: أن اسمع صوتا إنسانيا واتأكد أنه يصدر عن شخص مماثل لي. أن ألمس شفتين وفى نفس الجزء من الألف من الثانية أعرف أن هذه شفتان. ألا اضطر للعيش عبر اللحظة المرعبة التي احتاجها لتجربتي حتى أتأكد أنني حقا أحست بالشفتين. الحقيقة سوف تكون أن تعرف أن الفرح هو الفرح وفوق كل هذا أن الألم يجب أن يكون ألما.

(بصمت)

جيني: أرجوك تابع.

توماس: الحقيقة قد لا تكون كل ما اتخيله، قد لا تكون موجودة في الواقع. ربما تكون موجودة بفعل الشوق اليها. (يفتح الباب على مصراعيه وتحملق الممرضة فيرونيكا المسؤولة عن الطابق - بدهشة محبوسة حتما - على الشكلين الموجودين هناك بقرب النافذة.

فيرونيكا: آسفة لإزعاجك.

توماس: أنت هنا في منتصف الليل، ايتها الممرضة.

فيرونيكا: (بمرح) في منتصف الليل؟

توماس: ساعتي تقول الرابعة والخمس دقائق فقط.

فيرونيكا: حسنا، لا اعرف، ولكن في الخارج أنها العاشرة والخمس دقائق.

توماس: ولكن اليوم هو يوم الثلاثاء أليس كذلك؟

فيرونيكا: اوه حسنا. اردت فقط أن أقول لك أن ابنتك تجلس خارجا هناك وتريد أن تردك.

توماس: آه !

(تتوقف جيني مرعوبة للحظة وتنظر حولها وكأنها تبحث عن وسيلة للهرب. وقف توماس وأخذ يطوى حرامه. يدور نحوها وهو على وشك أن يقول شيئا عندما تقاطعه جيني.

يحيى
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نهاية وجه لوجه

مُساهمة  يحيى في السبت أكتوبر 31, 2009 3:56 pm

جيني: أود أن اتكلم معها. ولكن ليس هنا. ربما نجلس في غرفة ´الزوار؟

فيرونيكا: طبعا. السيدة العجوز التي رتبت هذا اللقاء موجودة في الخارج تمشى في الحديقة.

جيني: يجب أن اجمل نفسي.

توماس: حتما، يا عزيزتي جيني، سوف اذهب.

فيرونيكا: دكتورة ايزاكسون, ما رأيك بصينية فطور في غرفة الزوار؟ الا تريدين فنجانا من القهوة. ربما ابنتك أيضا تريد ذلك؟

جيني: ( من الحمام) نعم، ارجوك.

توماس: اعتقد أنه باستطاعتنا أن ندع السيدة ايزاكسون تمضى إلى البيت اليوم. هذا إذا ما أرادت ذلك.

فيرونيكا: الا يجب أن اسأل الاكس وانكل؟ توماس. لا اعتقد أن هذا ضروري.

(جيني تخرج رأسها من وراء الستارة. لقد غسلت وجهها توا وهى تحمل منشفة)

جيني: هل سأراك.

توماس: سيكون هذا لطيفا ولكن بعد فترة من الزمن.

جيني: بعد فترة من الزمن ماذا تعني؟

توماس: أنا ذاهب إلى جامايكا غدا.

جيني: لم تقل لي.

توماس: اعتقد أنني نسيت.

جيني: هذا يعنى أنه على أن اتدبر أموري بنفسي؟

توماس: أنا هو الشخص الذي عليه تدبر أمره بنفسه.

جيني: ما رأيك أن أذهب معك إلى جامايكا؟

توماس: كلا شكرا.

جيني: ماذا ستفعل هناك؟

توماس: سمعت أن الإنسان يستطيع أن يعيش حياة رائعة من الرذيلة في جامايكا.

جيني: ولكنك ستعود.

توماس: لا أعدك.

جيني: مع السلامة يا توماس.

توماس: مع السلامة. اعتن بنفسك وبمن يحبونك. ( يخرج سريعا، تجلس جيني على حافة السرير تشعر بالغثيان بسبب نهوضها السريع متأثرة بالوداع المفاجئ. ثم، بعد أن تستجمع نفسها، تتابع زينتها الصباحية وتضع رداء المستشفى وخفى حمام وتجر قدميها خارجا الى الممر بحثا عن ابنتها. تقف آنا وظهرها نحو الباب وتنظر خارج الشباك. أنها طويلة ونحيلة. مشعرها طويل وأحمر وعيناها كبيرتان رماديتان. وجبهتها عريضة وما عدا ذلك تقاطيع ناعمة، فم طفولي وذقن وحاجبان مندهشان. عندما تسمع خطوات والدتها تستدير نحوها)

أنا: هاللو ماما.

جيني: هاللو.

آنا: (بسرعة) اتصل بي والدي تليفونيا واخبرني أنك مريضة. بما أنه جاء مسرعا من أميركا إلى البيت فكرت أن الأمر جدي ومن الأفضل أن أحضر وأراك وغم أن والدي قال إنني يجب ألا أفعل.

جيني: يا للسماء.

آنا: تعرفين كم يبالغ والدى أحيانا.

جيني: هل أخبرك لماذا أنا هنا.

آنا: قال أنك قد أصبت بالمرض فجأة وأنهم احضروا لك سيارة إسعاف لتنقلك إلى المستشفى.

جيني: ألم يخبرك عن السبب؟

آنا. كلا لم يخبرني.

(تنظر آنا نحو أمها مؤنبة. تجلس جيني على كرسي رث. تأتى ممرضة تحمل صينية الفطار التي تضعها على طاولة قرب جيني، ثم تختفي)

جيني: هل تحبين تناول.

آنا: كلا. ( تتوقف) كلا، شكرا.

جيني: تستطيعين الجلوس؟ آنا: نعم.

جيني: هذا لن يكمن سهلا يا آنا.

آنا: آه؟

جيني: بالنسبة لك ولى.

آنا: آه.

جيني: فعلت شيئا غبيا منذ بضعة أيام.

آنا: ( تنظر اليها) هل فعلت؟

جيني: حاولت أن انتحر.

آه: (تنظر اليها) هل فعلت؟

جيني: من الصعب تفسير كيف يمكن لذلك أن يحدث. ربما يتهيأ لك انني لم أحبك أنت ووالدك وانني حاولت أن اتسلل بعيدا هكذا. ولكن يجب الا تفكري بهذه الطريقة ابدا. (تتوقف) أنا أحبك أكثر من أي شخص آخر. أنت وجدتك. والدك. ( تتوقف) ألم تفعلي شيئا في لحظة ما دون أن تتوقفي للتفكير؟

آنا: (تنظر إليها) نعم. ربما.

(الوجه الواضح السريع التأثر، الكتفان المستقيمتان النحيلان، الفم الناعم القلق، اليدان الجميلتان العريضتان بأظافرهما القذرة المتبلدة).

جيني: حاولي أن تغفرى لي.

آنا: لا أدري ما تعنين.

(المسافة، المسافة الصعبة التخطى. جيني خرساء ومهزومة)

جيني: هل ستعودين إلى المخيم اليوم؟

آنا: هنالك قطار بعد ساعة.

جيني: هل تملكين المال الكافي؟

آنا: نعم شكرا.

جيني: هل تتمتعون جميعكم بالوقت؟

انا: أوه لا بأس.

جيني: بلغى لينا وكاوين حبى.

آنا: نعم.

جيني: هل ينتهى المخيم يوم الجمعة؟

آنا: ( بتنهيدة) نعم.

جيني: ألا نستطيع تناول العشاء معا أنت وأنا في طريقك إلى سكاين؟ سوف تصلين إلى البلدة بعد الظهر وقطارك لا يغادر حتى التاسعة والنصف مساء. نستطيع أن نتناول العشاء ثم نذهب إلى السينما. ألن يكون ذلك لطيفا؟

آنا: نعم لطيف جدا.

جيني: حسنا، من الأفضل آن تذهبي الآن حتى لا يفوتك القطار.

(تنهض آنا طائعة. تنهض جيني نحوها. تأخذ وجهها بين يديها وتقبلها. تستعلم الفتاة ولكنها تبدو محرجة. ثم تذهب نحو الباب، تتوقف، وتستدير).

جيني: (مازال لديها أمل) نعم؟ (تنظر آنا نحوها نظرة طويلة، قاسية ووميض من الكرب ينبعث من عينيها الرماديتين).

آنا: هل ستفعلين ذلك ثانية.

جيني: كلا.

آنا: كيف استطيع أن أتأكد؟

جيني: عليك الاعتماد على في قول الحقيقة.

آنا: ولكن هل تدرين معنى ما تقولين ,

جيني: اعتقد ذلك.

آنا: ولكنك لست متأكدة.

جيني: (بعنف شديد) فقط لو اعرف ما تريدين؟ الا يمكن لك أن تفهمي شيئا؟

أنا: لم نجيبيني في يوم من الأيام.

(تقف جبني وذراعاها تتدليان وتنظر إلى الفتاه الواقفه بعيدا قرب الباب، الأصابع ذات الأظافر القذره المفضومة والتي لا تكف عن العبث بعصبية الموضوعة في الإطار الذهبي التي تضعه حول عنقها. صمت طويل).

آنا: لم تفعلي أنت وتعرفي ذلك. (تتوقف) حسنا يجب أن أذهب الآن. (تتوقف) لا تضطربي. أنا قادرة على إدارة أمورى بنفسى. باي باي.

(وتخرج آنا، تقفل الباب بهدوء خلفها. تنظر ممرضة إلى الداخل وتسأل إن كان بإمكانها أن تأخذ الصينية)

جيني: نعم إفعلي. شكرا.

تعود جيني في نفس عصر ذلك اليوم إلى المنزل الكائن في الشارع الهادئ. تقابلها الجدة في القاعة. يتعانقان.

الجدة: هل أنت أفضل الآن؟

جيني: أفضل بكثير.

الجدة: لماذا لم تقولى شيئا؟

جيني: ليس هنالك شيئ, نقوله.

اجدة : سألت ذلك الدكتور جاكوبى الذي اتصل بي وقد قال أنك تعانين إجهادا شديدا.

جيني: نعم.

الجدة: واريك الذي جاء مسرعا إلى البيت هكذا.

جيني: لقد عاد اليس كذلك؟

الجدة: اوه نعم عندما أدرك أن الأمر ليس خطيرا.وانكل ليس إلا إجهازا.

جينى: هل تكلمتما معا؟

الجدة: بقى هنا فترة وجيزة , نعم. (هما في غرفة جيني، والجدة تساعدها على إخراج ملابسها. شمس بعد الظهر حارقة. النوافذ مفتوحة على مصراعيها والستائر مقفلة حتى منتصفها. تجلس جيني على السرير. تتوقف المجدة عما تفعله)

الجدة: أنت متعبة. هل ارتب السرير؟ حتى تستطيعي الاستلقاء جيني: كلا، شكرا. لا حاجة لذلك.

الجدة: إذا كنت تفرطين في عمل الأشياء فمن الضرورى أن تذهبي بضعة أسابيع وتستريحى.

جيني: من المستحيل الآن. ايرنمان لن يعود قبل شهرين من الآن. بعد ذلك ربما نأخذ اجازة أنا وايريك. في الواقع كنا قد صممنا رحلة إلى إيطاليا.

(تضبط جيني نفسها وتنظر الى الجدة. تبدو وكأنها تراها للمرة الأولى. تجلس السيدة العجوز على كرسى بالقرب من الحائط والشمس تشرق على وجهها. تكتشف جيني الآن أن جدتها هرمة جدا وأن العينين الزرقاوين - الرماديتين الصافيتين حزينتان، وأن الفم الصارم لو يعد صارما، وانها لا تستطيع أن تستقيم في جسدها كما كانت تفعل، وانها بشكل ما قد أصبحت أصغر، ليس كثيرا، ولكن بشكل ملحوظ. وعندما تدير وجهها لجيني وترسل لها ابتسامة تساؤل يهتز رأسها بشكل غير ملحوظ ومع ذلك فهو يهتز، واليدان القويتان العريضتان، اليدان القادرتان المليئتان بالحيوية تسقطان متعبتين بلا حراك في حضنها.

جيني: (بعاطفة مفاجئة) ماذا هنالك يا جدتي.

الجدة: جدك لم ينهض اليوم. أخذت أضايقه وأعنفه ولكنه كان يبدو غير سعيد. ربما تكون سكتة دماغية خفيفة. مع جدك لا تستطيعين أن تعرفي. الدكتور كان كما تعلمين دكتور ساميولسون العجوز. قال لي الآن أن أدع جدك يرتاع بضعة أيام

جيني: وماذا تعتقدين؟

الجدة: أشعر حتى العظم أن جدك لن ينهض ثانية. يبدو تعبا جدا

(الجدة لا تستطيع الكلام لبرهة من الزمن. تنظر نحو جيني بعجز تام والى يديها ثم خارج النافذة) حسنا، هذه هي حال الدنيا (تتوقف) كنت أتوقع هذا منذ بضع سنوات. ولكن عندما تأتى الأشياء تبدو مضحكة. (تتوقف) حسنا، هذا حال الدنيا.

(ترسل الجدة تنهيدة عميقة وابتسامة صغيرة متعبة)

جيني: سوف أدخل لأحييه.

جيني: الا تريدين شيئا؟

الجدة: كلا شكرا. أكلت شيئا قبل أن أترك المستشفى.

(تمسك الجدة الباب وتفتحه. الجد مستلق في السرير المزدوج الكبير ويبدو صغيرا جدا. عندما تقترب الجدة وجيني، يفتح عينيه وينظر نحوهما بلهفة).

الجدة: لا تكن عصبيا سوف اجلس معك. أنا هنا طوال الوقت.

(العينان الملهوفتان تهدآن تدريجيا ويحني رأسه انحناءة خفيفة ثم يمسك بيد الجدة، تجلس قرب السرير وتربت عليه. مرة تلو الأخرى تربت على يده.

تقف جيني وقتا طويلا على الباب تنظر إلى الشخصين العجوزين. كم هما مرتبطان ببعضهما البعض، يتحركان ببطء نحو النقطة الغامضة الرهيبة حيث يجب أن يفترقا. تنظر الى تواضعهما ونبلهما. وفى ومضة عين أدركت - ولكنها نسيت بنفس السرعة - أن الحب يعانق كل شىء، حتى الموت.

جيني: (برقة) اعتقد أنني سأذهب في نزهة قصيرة.

الجدة: عندما تعودين سوف نتناول قطع اللحم الموجودة في الثلاجة. هنالك أيضا بعض البطاطا المثلجة التي تستطيعين قليها. إذا كان الدكان الموجود على ناصية الشارع مفتوحا يمكنك أن تشتري خسة.

(تومئ جيني برأسها وتخرج على أطراف أصابعها)

اشترت حاجتها من الدكان في الشارع الذي تكسوه الأشجار على الجانبين. ازدحام في السير، المكاتب مغلقة في نهاية اليوم وهنالك العديد من الأشخاص حول المكان. الشمس تشرق ساطعة بعد الظهر الحار والمياه تتلألأ في الترعة. ترسل أعالي الأشجار حفيفا، وعناوين جرائد المساء سوداء تصرخ عاليا.

تقف على مفترق طرق مع خمسة أو ستة آخرين. ترى امرأة طويلة القامة تلبس معطفا أبيض وقبعة بيضاء؛ شعرها الرمادي يخرج من تحت الحافة. تحمل عصا بيضاه تتحمس دربها بها مقاومة ما يعترضها. تلبس نظارات شمس.

جيني: ربما استطيع مساعدتك في اجتياز الشارع؟

(تستدير المرأة وفى لحظة مفاجئة تتعرف جيني على الوجه الشديد الانفعال الشاحب وعلى الابتسامة التهكمية. العين الميتة المقلوعة.

السيدة. هذا لطف شديد منك، يا عزيزتي، أشكرك.

(تأخذها جيني من ذراعها وتقول، "حسنا، لنذهب إذن" يبدآن في المشي ببطء فوق العلامات البيضاء لتقاطع الشارع، بينما يسير باقي الناس مسرعين متجاوزينهما دون الالتفات إليهما).


--------------------------------------------------------------------------------
تصميم الحاسب الشامل

--------------------------------------------------------------------------------


رماد وماس
سيناريو انجي فايدا ويرزي انجيفسكي

مها لطفي
كاتبة من لبنان


--------------------------------------------------------------------------------


مقتطفات من مقالة نقدية حول سيناريو »رماد وماس«
للناقد البولوني : بولسلاف سوليك

اشترك فايدا مع انجيفسكي في كتابة سيناريو »رماد وماس« فاعادا تشكيل الرواية ليخرج منها هيكل جديد ابسط واكثر تلقائية. فالسرد الواقعى في الرواية يأخذ بعدا زمنيا واسعا , والشخصيات المتعددة اعطيت نفس الوزن. في الفيلم هنالك وحدة قصيرة من الزمن. فكل الاحداث الرئيسية ضغطت إلى اربع وعشرين ساعة تبدأ من صباح الثامن من شهر مايو, 1954, تاريخ استسلام الجيش الالماني, واليوم الأول للسلام الرسمى. السيناريو الغى العديد من الشخصيات الرئيسية, تحولت فعاليتهم الدرامية نحو واحد من الذين بقوا, هو ماشيك, الذي توس ع بهذه الطريقة ليتحو ل إلى شخصية مركزية مسيطرة. وهكذا, فإنه نتيجة لفقدان جزء من اتساع عالم الرواية - على الأقل من ناحية الإثارة الواقعية - اكتسب الفيلم بطلا روائيا .

تبدو التغيرات وكأنها عملية تبسيط تقليدي من النوع المتبع في السينما الهوليودية بشكل دائم. وفي الواقع فإن ما يمي زها في هذه الحالة شيء مختلف. فالكاتبان يبعدان السيناريو عن الواقعية وعن الطبيعة الخاصة للمشاكل السياسية التي تناقشها الرواية, فيحولانها إلى مسودة دراما رمزية هي ليست بالضبط خارج الزمان, ولكن مقصود بها حتما أن تفجر ما يربطها بالزمان والمكان: مأساة المواقف السياسية المتناقضة, وتح طم الأفراد المحترمين لعدم قدرتهم على مجابهة هذا التناقض في إطار القيم التي عاشوها. الهدف من ذلك كان تركيز المأساة وجعلها عالمية البعد, وبلورة المواقف بعبارات شاعرية غير واقعية. ولذلك فإن اعتباطية الزمن, وجميع المواجهات التى تأخذ مكانها باستمرار خلاله, والتى كان من الممكن ان تبدو مزي فة بشكل خارج في فيلم وصفي, تظهر هنا مناسبة وطبيعية تماما . كما تبدو كذلك اعنف التناقضات العاطفية.

ماشيك وانجي غريبان في بلدة ريفية. وهما ممن تبقى من الجيش الوطني الذي جن د في انتفاضة وارسو والمقاومة ضد الألمان. جاءا لينفذا الاوامر بقتل سزوكا, قائد شيوعي زائر هناك. يجدان نفسيهما نتيجة لذلك في فندق محلي حيث تقام احتفالات طابعها رسمي إلا أنها تحول إلى عربدة متزايدة احتفالا بانتهاء الحرب وولادة بولندا الجديدة. تستمر هذه الاحتفالات حتى ساعات متأخرة من الليل, حيث يأخذ سزوكا موقع ضيف الشرف. في النهاية يسود الفرح معظم الناس المحيطين على تنو ع صبغاتهم السياسية. المثاليون من الطرفين والشخصيات البطولية والذين تعودوا على ممارسة معتقداتهم يقفون وجها لوجه بشكل مأساوي كذلك يفعل الانتهازيون اتباع المعسكر. يتجمع كل هؤلاء دون أن يأذي احدهم الآخر ليحتفلوا ببقائهم على قيد الحياة فيشربون الانخاب بطقس احتفالي.

هذا التصميم المركزي المؤلف من مواجهات درامية تلقائية رفيعة المستوى, اضيفت اليها حبكات فرعية مليئة بالتصادمات المتعم دة العنيفة المباشرة. ابن سزوكا ذو السابعة عشرة عاما , والذي فقد لفترة طويلة, يظهر في نفس الليلة في السجن المحلي مع آخرين من المقاتلين الفدائيين الوطنيين المعتقلين. شقيقة زوجة سزوكا. ملكة المجتمع المحلي, تج هز نفسها للهروب إلى الغرب فتخفي القائد الوطني الذي اصدر قرار قتل سزوكا, خادمة في الفندق الذي يسكن فيه ماشيك مخطوبة إلى احد الرجلين الذين تم قتلهما في ذلك اليوم. وعندما يمشي هو وكريستينا في نفس اليوم نحو كنيسة مدمر ة يسيران فوق جثتيهما. إن عنف مثل هذه الاسنادات الترافقية والكثافة الليفية النسيج للبنيان بشكل عام يتركان فسحة صغيرة لوصف الشخصيات او لتطوير اي هدف غير عام وغير سياسي. كل شيء يجب أن يقال بتعبير رمزي تقريبا .

هذا يتضمن العلاقة بين ماشيك وكريستينا. فهو يتناول انتقالهما من لقاء عابر إلى إحساس مرهف عميق بمنتهى الجاذبية والصدق. يتغير اسلوب الكاميرا في مشاهد غرفة النوم: لقطات مقر بة ناعمة وحركات بطيئة فوق الاجساد العارية مما يترك احساسا عاما بالرقة والحميمية. ولكن الانسان لا يستطيع الادعاء بأن الوعود بحياة مختلفة, والتى تقود ماشيك إلى محاولة هجر التزاماته للحركة السرية المناهضة للشيوعية, قد رها ان تصاغ في هذه المشاهد وفي اي من المشاهد التالية. يستطيع فايدا ببساطة ان يرجع المشاهد إلى قيمه الخاصة الجميلة ومعرفته بالحب في احسن واجمل ما عبر عنها.

في مضمون هذا الفيلم نجد ما يكفي. الحب هو وسيلة رمزية ككل شيء آخر. انه هناك كمغاير ليضيء قوى التاريخ - الابطال الحقيقيون لهذه الدراما. هذه القوى استخدمت خلال بناء الفيلم في مختلف المواجهات الاخلاقية. وعب ر عن قوتها الكاسحة, خلال العمل بمجمله, في صور مباشرة مستعارة بغنى من تقاليد الأدب البولندي وفن ه وثقافته الشعبية. في الواقع, وبينما هو يحاول ان يعطي شكلا مسرحيا لما يعانيه المشاهد من المعضلات السياسية, يأخذ فايدا باستخدام مفتاح الثقافة القومية ليفتح ردود فعلهم واحدا تلو الآخر. يفعل هذا بطرق مختلفة: مرة بالاشارة المباشرة ومرة أخرى بأن يحاول النقر على أهمية العاطفية لبعض الرموز فيجس دها باختراع من عنده. مثال واضح على ذلك اللقطة الأولى للمشهد الثاني مباشرة بعد مشهد القتل الأول القصير. هذه الصورة الغريبة التوليف مع حقل محروث يملأ معظم الشاشة, وفلاح ومحراث وحصان في اعلاه, تشير إلى لوحة للفنان شيلمونفسكى, احد اوائل التأثيريين. وقد اشتهر واغرم به الجميع لتصويره المشاهد الطبيعية البولندية. وهى ترمز, كما يفترض, إلى بولندا كقطعة صوفية من الأرض والناس اوسع من اي خلاف; وتستخدم بأن تقدم لنا مجابهة سزوكا مع الفلاحين الناشطين - النقطة الوحيدة التى يق دم فيها الفيلم, عرضيا , الولاء الرسمي للمثل المعلنة لبولندا الجديدة.

يستطيع الانسان ان يذكر امثلة اخرى: حصان ابيض, رمز قديم للنصر, يدخل إلى الكادر من لا مكان عندما يفترق المحبان; او الصورة النهائية لماشيك وهو يتلوى الما على كومة الزبالة الرمزية بينما سحابة من الغربان السوداء تحوم فوقه - تشير إلى قول قديم عن »الغربان السوداء والرمادية تلتقطنا كقطع صغيرة«, والتي استخدمها ستيفان زيروسكى كعنوان لمجموعة قصصه القصيرة. وفي المشاهد الأخرى خاصة عندما يأخذ الحدث مجراه ضمن الفندق, تحاك بشكل غير مباشر الأساطير والصور القومية المتعددة فتتحول إلى مزيج قوي مقنع. فمثلا هنالك مشهد المغنية وهي تغني »لاب مونت كازينو الصغار الحمر« - اغنية عاطفية للفيلق الثاني البولندي الذي احتل ل- يراكازينو في مايو, 1944, بعد أن تكب دا خسائر كبيرة, بينما في الغرفة المجاورة يتذكر ماشيك وانجي الرفاق الذين سقطوا اثناء القتال على كؤوس الفودكا المشتعلة. الاغنية المذكورة هي واحدة من مجموعة مفارقات تاريخية في الفيلم. فالاغنية لم تصل إلى بولندا إلا بعد الحرب. حركة ماشيك في اشعال كؤوس الفودكا تشير إلى الطقس الديني الذي يحمي ذكرى الموتى بإيفاد الشموع التى تتلألأ فوق القبور التى لا حصر لها في ليلة الهالويين1 وضع الاشياء بموازاة بعضها البعض مثير للتهكم ولكن المشهد ملئ بالتوق إلى الماضي تستهوي فايدا, رغم انفه, العواطف التى يريد ان يبعد عنها.

المشاهد التالية التي تصف اللحظات الميتة من الليل تبدو واقعية في البداية: ماشيك يجه ز نفسه لمغادرة الفندق والمدينة; في المطعم انتهت الحفلة ويأخذ الندل بتنظيف المكان; والأوركسترا على وشك مغادرة خشبة المسرح. ولكن الضيوف المرحين المؤلفين من «الرجعيين« و»التقدميين« يريدون متابعة الحفلة. احد الرجعيين, كوتويكز, رجل طويل في متوسط العمر, يبدو عليه بشكل مؤكد صورة سيد بولندي تقليدي, يأخذ بزمام الموقف.

يوقف الأوركسترا ويفرض عليها متابعة عزف احدى مقطوعات ؛البولونيز« بينما هو ينظم الرقص, تفتح كريستينا الشباك فتسقط عليها اضواء الفجر المنتشرة. يدخل ماشيك فيقوم الاثنان بطقوس الوداع بتشكيل يسكن الانسان بجماله على طريقة الرسام رامبرانت حيث يخترق ظلال الغرفة السفلى شعاع واحد من الضوء. يغادر ماشيك ويجه ز كوتويكز نفسه لقيادة »البولونيز«: يقف في لقطة طويلة, ظهره إلى الكاميرا, وذراعاه مفتوحتان, ضوء الصباح يغرق الغرفة بطوفان خلفه. نراه كصورة ظلي ة سوداء كالصليب محد دة بدقة امام الخلفية الأكثر إضاءة; حزم من الضوء المنكسر تنطلق من يديه ورأسه: شكل صوفي مسيحي. ان النوع الشديد الغموض والديني الطابع لهذه الصورة يفك اية علامة كان ممكن ان تكون لمشهد البولونيز هذا مع الواقعية بمعناها العادي. والدقائق القليلة المتبقية تنبئنا بسير ماشيك نحو موت غبي غير ضروري. عذابه المخيف يقطعه من الخلف لحن »البولونيز«. باستخدامه لرمز »البولونيز« فهو يشير إلى المشهد النهائي في الفصل النهائي من مسرحية »العرس« التي كتبها في مستهل القرن فيسيبانسكي والتي تنتهي برقصة يشارك بها جميع الشخصيات وهم كالمأخوذين ضمن دائرة مسحورة مرسومة بالطباشير.

ان الفيلم ممثل سواء في شكله او مدلوله نوع من الرومانسية المنحطة. ولكن هذا التشويه للنبض الرومانسي الموروث شكل رابطا بين فايدا وجمهوره البولندي الخاص. وهو يتفاعل عن قرب مع المواقف الثقافية السائدة بين الانتلجنسيا البولونية. والتدهور يمكن ان يكون ردة فعل طبيعية, صادقة, لا غنى عنها لمسار تقليد ديناميكي عظيم.



التاريخ: 7 مايو, 1945 - قرية صغيرة ريفية فى بولندا تتمتع بأيامها الأولى في الحرية. خلال بضع ساعات سوف تكون اعظم الحروب في تاريخ البشرية قد وضعت اوزارها. لقد استسلمت المانيا بدون شروط. ولكن في هذه الليلة, الليلة الأخيرة للحرب, هنالك كثيرون لن يغمض لهم جفن, ولن يناموا بسلام...

إنه ليوم جميل من اواخر ايام الربيع, الهواء تثقله الوعود بقدوم الصيف. وسط العشب الطويل وعلى أحد المقاعد الخشبية على جانب الطريق المؤدي إلى الكنيسة, يستلقي بتكاس ل ماشيك تشيلميكي, شاب قصير ممتلئ القامة أسود الشعر. رفيقه, الاكبر سن ا والأرق عودا , انجي, يستند إلى احد منكبيه, وينظر حوله بعصبية. هنالك صوت عصفور قريب يزقزق.

ماشيك: يا إلهي, كما انا أنعس, لا استطيع ان ابقي عييني مفتوحتين.

(تدخل فتاة صغيرة خلف الرجلين, وتتجه نحو باب الكنيسة وتحاول ان تفتحه. يتطلع انجي حوله بحد ة عندما يسمع الصوت).

ماشيك: ذلك الرجل, ما اسمه? انني انسى...

انجي: سزوكا.

ماشيك: من هو?

انجي: سكرتير لجنة الحزب الاقليمية.

(تقترب الفتاة الصغيرة نحو الرجلين من الخلف; انها تحمل في يدها باقة من الأزهار البرية).

الفتاة الصغيرة: رجاء سيدي هل تستطيع فتح هذا الباب?

(ينهض انجي ويذهب مع الفتاة الصغيرة نحو الباب).

انجي: أترين. انه مقفل.

(يرفع انجي الفتاة الصغيرة أعلى ليمكنها من رؤية ما خلف الباب, ووضع أزهارها في الكوة الموجودة أعلاه. يقترب صوت محر ك سيارة, فيصغي انجي السمع بينما يرفع الفتاة إلى أعلى).

(الرجل الثالث, يوليك درونوفتسكي, والذي كان ت رك ليراقب المكان قرب الكنيسة, يستدير ويصف ر. في اسفل واد صغير تحته نرى طريقا تخترقه سيارة جيب مقتربة.

يعيد انجي بسرعة الفتاة إلى الأرض).

يخاطب أنجي الفتاة بصوت حاد: اركضي بعيدا الآن!

( يستدير باتجاه رفيقه, ماشيك!)

(ماشيك مازال مستلقيا كما كان, يفرد اطرافه كالنسر على العشب).

ماشيك بهدوء: نعم? ما الذي يجري?

انجي عن بعد: انهم قادمون!

ماشيك: وماذا في ذلك! لقد انتظرت امورا اكبر بكثير.

انجي عن بعد: أسرع!

(ينهض ماشيك وهو مازال على حاله من اللامبالاة, ويأخذ في التقاط بندقيتيه نصف الاوتوماتيكيتين من فوق العشب بقربه. ثم يسقطهما فورا وكأنهما م لتهبتان).

ماشيك: يا للنمل اللعين!

(يمسح شيئا من على البندقيتين, ثم يعطى واحدة منهما لأنجي الذي يبعد الفتاة الصغيرة عنه).

انجي بحد ة: اذهبى بعيدا الآن.

(درونوفتسكي يأتي نحو الرجلين وهو في حالة شديدة العصبية).

درونوفتسكي: اسرعوا! اسرعوا! انهم هنا!

(للحظة من الزمن, يبدو ماشيك في وضع غريب, وقد تجم د وهو في منتصف حركته, وبندقيته الرشاشة مرفوعة في الهواء, قبل ان يركض إلى اسفل المنحدر المعشوشب, ويجتاز الطريق. فجأة تظهر سيارة جيب على مسافة قريبة من الطريق, فيطلق ماشيك فورا عليها زخة من الرصاص. يختل توازن السيارة, وتقفز كالسهم فوق المنحدر وهي تئن. يقفز احد الرجال راكبي سيارة الجيب نصف قفزة. ويسقط نصف سقطة خارج السيارة.

ثم يطلق انجي زخات من الرصاص باتجاه السيارة والراكب الآخر.

يتابع ماشيك اطلاق النار على السيارة.

يسقط الرجل القوي البنية والمتوسط العمر ميتا خلف المقود... هنالك قليل من الدم على وجهه. توق ف اطلاق النار. انجي ودرونوفتسكي ينظران إلى مشهد الدمار).

انجي: أحضر اوراقه!

(يركض درونوفتسكي بعصبية إلى الامام, وي دخل يده في سترة الرجل الميت. ويفتش فيها عبثا ).

درونوفنسكي وهو يكاد ينشج: ليس لديه أي شيء.

(يقف ماشيك فوق الرجل الآخر الأصغر سنا الذي ارتمى متمددا . وجهه إلى التراب وقد ظهر ان الحياة قد فارقته. ينزع ماشيك مخزن بندقيته الخالي ليبدله بآخر ملآن, عندما ت فتح عينا الرجل فجأة. يقفز على قدميه ويركض بعيدا أعلى المنحدر. الرجل الذي ربما يكون جريحا يترنح باتجاه الكنيسة; درونوفنسكي الذي يقف في موقع يمكنه من اعتراضه لا يأتي سوى بحركات وثب غير فع الة. يصل الرجل إلى باب الكنيسة ويأخذ بضربه محاولا تحطيمه ليفتحه.

يجري ماشيك وانجي وراءه. يرفع ماشيك بندقيته ويطلق منها زخة اعيرة. تنفجر مجموعة من الثقوب الصغيرة المفتوحة في ظهر سترة الرجل. وتندلع منها شعلات فجائية تحرق قماش السترة. في تلك اللحظة ينفتح الباب بتأثير ثقل جسده, ويسقط الرجل الذي يصرخ بقوة, ووجهه إلى أسفل, باتجاه الكنيسة أمام تمثال للمسيح المصلوب.

يبدأ ماشيك في اطلاق النار مجددا , ولكن انجي يدفع بندقيته بعيدا عن هدفها).

(عندما ي نظر من داخل الكنيسة: جثة الميت مرتمية على العتبة. ماشيك وانجي يقفان في الخلفية بينما ينطلق درونوفتسكى حول المكان مضطربا , متلهفا لمغادرته. حين يرى درونوفتسكي الجث ة في باب الكنيسة, يرفع قبعته ويبدو متمتما لنفسه بصلاة قصيرة.(1)

درونوفتسكي: بحق الله, دعنا نخرج من هنا.

ماشيك: انتظر أيها الحمار الغبي! إلى أين تعتقد انك ذاهب?

(يأتى درونوفتسكي راكضا إلى آخر الشارع الذي تحف به الاشجار من الجانبين والذي يتجه بعيدا عن الكنيسة. يخبئ ماشيك وانجي بنادقهما الرشاشة في حقيبة قماشية يحملها درونوفتسكي. يركض بعيدا بالحقيبة. تسقط قبعته ارضا ولكنه يتركها مستقر ة هناك. يلتقطها ماشيك بلا اكتراث ويسير بعيدا مع انجي).

(حقل محروث حديثا : نحن ننظر من زاوية منخفضة إلى أعلى منحنى قليل الانحدار تقطعه مئات التلال الصغيرة. حارث وجواده يظهران بصورتهما الظلي ة التي تنعكس على الأفق حيث شمس المساء في خلفيتهما. قب رة تغني في مكان قريب, وي سمع صوت الأجراس البعيدة.(2)

(جسدا الرجلين الميتين أ لقيا على العشب. هنالك سيارة جيب أخرى تقف في الخلفية. يهبط منها رجلان: سزوكا رجل ثقيل الوزن في منتصف العمر يستند إلى عكازه, وبودجورسكي في نفس العمر ولكنه طويل ورفيع . يسيران الى الامام مبتعدين عن سيارة الجيب. يتقدم عامل آخر بينما هما يقتربان من الجثث).

سزوكا: ما الذي حدث?

العامل: قتلوا اثنين من رجالنا.

بودجورسكي: سمولارنسكي, عضو مجلس ادارة مصنع الاسمنت.

سزوكا يشير إلى الجثة الأخرى.

سزوكا: وذلك الآخر?

بودجروسكي: جوليك. شاب صغير. لا يتجاوز العشرين.

(يتسلق التلة عامل آخر ويتقدم نحوهم).

العامل الآخر: واحد وعشرون. عاد تو ا من المانيا.

(تنظر مجموعة من العمال الممسكين بدراجات إلى المشهد).

العامل الثالث: الشيطان المسكين. تخي ل انه رجع من اجل هذا...

العامل الرابع: اولاد الكلب كانوا يطلقون النار من هناك.

العامل الخامس: من الأفضل ان نستدعي الشرطة.

العامل السادس: يا ليتني استطيع فقط...

(الجثتان ممد دتان على الأرض ووجهاهما ميتان كالحجر).

(سزوكا وبودجورسكي ينظران ويتابعان الكلام بصوت منخفض).

سزوكا: اعتقد اننا نحن من كان مقصودا بالقتل.

بودجورسكي ينظر إلى اعلى بحد ة: هل تعتقد...?

سزوكا: حتما . ولكن هذا لا يهم.

(تصل اصوات اجراس الكنيسة إليهم ثانية. تصاحبها اصوات اجراس الدراجات حيث يتوافد المزيد من العمال إلى المشهد في طريق عودتهم إلى بيوتهم من المصنع.

سزوكا وبودجورسكى يسيران عائدين إلى سيارة الجيب. يظهر احد العمال ويوقف سزوكا).

العامل: عفوا يا رفيق.

سزوكا: اسمي سزوكا.

العامل: هل انت سكرتير الحزب الاقليمي?

سزوكا: نعم انا هو.

العامل: هل استطيع ان اسألك شيئا ? ليس فقط من أجلي ولكن من اجلنا جميعا . هل تستطيع ان تخبرنا إلى متى سنبقى نشاهد شعبنا ي قتل? هذه ليست المرة الأولى...

سزوكا: وليست الاخيرة. هل انت خائف?

صوت بعيد: حتما ! كل واحد منا يريد ان يبقى حيا .

(تقف مجموعة من العمال مصغية).

العامل: لقد فقدنا الكثير من ابناء شعبنا...

(ينظر سزوكا إلى العمال مفكرا ).

العامل يتابع كلامه: ...خلال الاحتلال.

(رجل يشق طريقه بين مجموعة العمال).

العامل الثاني: لا تنسي ان سمولارسكي فقد ابنيه الاثنين.

(سزوكا يسير ببطء امام الصف الأول من العمال).

العامل الثالث: واحد قتل في عام 1939, و......

العامل الثاني: ...... الثاني اطلق عليه الألمان النار في عام 1943. ومات اليوم, هنا. ولماذا? من الذي قتله? بولنديون! مجموعة من العمال المستمعين.

العامل الثاني: فقط أخبرنا! إلى متى سيستمر هذا?

(يسير سزوكا ذهابا وايابا مستندا بقوة إلى عصاه).

سزوكا: سأكون شيوعيا سيئا إذا ما حاولت ارضاءكم وكأنكم اولاد صغار.

(ينظر العامل الثاني باهتمام نحو سزوكا).

سزوكا: انتهاء الحرب لا يعني انتهاء معاركنا.

(لقطة مقر بة من وجه سزوكا الصارم).

سزوكا: الصراع من اجل بولندا, الصراع من أجل أى نوع البلدان ستكون, قد بدأ لتوه. وكل واحد من ا معر ض للقتل... في اي يوم.

(يستمع العمال صامتين باهتمام شديد).

العامل الثاني: نحن نفهم ذلك... ولكن ماذا سنقول لزوجته?

(لقطة مقر بة لسزوكا وهو يقترب من سيارة الجيب الخاصة به).

سزوكا بجدية شديدة: لا تعتقدوا انني لست حزينا , لأنني اعرف تماما ان هذه الرصاصات كانت موجهة لي... والآن استجمعوا انفسكم, وتابعوا عملكم... بينما انتم لازلتم احياء.

(ي سمع صوت القب رة تغني مرة ثانية; تقرع الاجراس قرعا خافتا في خلفية المشهد..

إنه المساء المبكر. نحن ننظر إلى قبة كنيسة ينساب منها صوت اجراس فرحة; ثم ننظر إلى الاسفل, وإلى ساحة السوق هناك, حيث وضع مكبر للصوت بشكل دائم. الساحة مليئة بالقوات البولندية والسوفييتية, بينما تزدحم الأرصفة بالمدنيين الذين يراقبون ويستمعون إلى البيانات المذاعة. صف من سلاح المدفعية يسير بضوضاء قرب المكان. درونوفتسكي المتشكك لا يشارك الجماهير الحالة النفسية المشرقة التى يعيشونها, يدفع طريقه بينهم وينظر حوله متحمسا ).

مكبر الصوت يذيع البلاغ الرسمي: انتم تستمعون إلى نشرة اخبار خاصة. اليوم الثامن من شهر مايو, و ق ع بين انقاض برلين عاصمة المانيا, اتفاق استسلام غير مشروط من قبل القيادة الالمانية العليا. وق ع اتفاق الاستسلام من جانب القيادة الالمانية العليا, »كاتيل وفربدبورغ« و»وستمبف«. ووقعه كذلك مارشال الاتحاد السوفييتي »زوكوف« عن القيادة العليا للجيش الاحمر, ومارشال سلاح الطيران ؛»يدير« عن القائد الأعلى لحملة قوات الحلفاء. وشهد التواقيع قائد سلاح الطيران الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية جنرال »سباتز«, والقائد الاعلى للجيش الفرنسى الجنرال »دولاتر دو تازينى«.

(ماشيك وانجي يقفان بين الجموع. نشرة اخبار سينمائية تعرض على شاشة سينما مؤقتة وضعت في الهواء الطلق. الضوء المنعكس من الشاشة يظهر وجوه الرجال في ظلام الليل المبكر. يحمل ماشيك حقيبة ظهر قديمة رماها على كتفه. ينظر إلى ساعته).

ماشيك: ما الذي اخر ه.

انجي: ليس لدي اية فكرة. كان من المفروض ان يكون هنا

ماشيك: من اين يحصل على كل هذه المعلومات?

انجي: من رئيسه.

ماشيك: رئيسه? من هو?

انجي: المحافظ! هذا الابله هو سكرتيره.

ماشيك: هل هو قريب إلى هذا الحد! اكره هذه اللعبة ذات الوجهين.

انجي: وانا كذلك. ولكن من الممكن ان يكون مفيدا !

ماشيك: ي عتمد عليه?

(يشق درونوفتسكي طريقه بين الجموع. على شاشة السينما في الخلفية ي عرض فيلم عن اناس يمشون مشية عسكرية ويحتفلون: انه الاول من مايو في وارسو.

ماشيك وانجي يقفان بين الجموع; شعاع آلة العرض في خلفية المشهد).

انجي: هل هنالك اي شيء?

(ماشيك وانجي في الساحة الامامية; نحن ننظر باتجاه الشاشة, حيث يمكن ان نرى فيلما عن الدبابات السوفييتية في شوارع برلين. ماشيك يراقب باهتمام بالغ).

ماشيك: انظر! لا بأس بها هذه الدبابات.

ماشيك وانجي وشعاع آلة العرض خلفهما.

ماشيك: هاهو!

(يظهر درونوفتسكي وينضم إلى ماشيك وانجي. يلبس الآن بشكل مختلف, سترة حداد داكنة وربطة عنق, رغم انه احتفظ بجزمته العالية. يشد ماشيك قبعة درونوفتسكي بإحكام على رأسه).

درونوفتسكي: كيف حالكم ايها السادة?

انجي: هل هناك اشكال ما?

درونوفتسكي: كلا, اضطررت لان ابد ل ملابسي.

ماشيك. هل ستتزوج?

درونوفتسكى: اسوأ من ذلك. يتحفنا الرجل العجوز بوليمة الليلة.

ماشيك: ناولني الحقيبة.

(يناوله درونوفتسكي الحقيبة القماشية التي وضعت فيها البنادق بعد اطلاق النار. في نفس الوقت ينظر بامعان إلى الشاشة).

درونوفتسكى: ليس جيدا جدا أليس كذلك? كثير من الضوء.

شيء آخر يا انجي. كما كنت اقول, لا تعتمد علي في المستقبل في أمور كهذه.

انجي: حسنا. حسنا .

درونوفتسكى: لا اعني... معلومات. انا لا اؤيد الفكرة طبعا . ولكن من اجل الشيء الآخر...

انجي : لا تكن مم لا هكذا يا ماشيك?

(من الواضع ان انجي يريد الانصراف. ماشيك الذي كان يشاهد الشاشة تصدر عنه ردة فعل وكذلك درونوفتسكي).

درونوفتسكي: إلى اين انت ذاهب?

ماشيك: إلى وليمتك. لقد دعينا لتون ا.

درونوفتسكي: توقف عن المزاح, رجاء...

انجي: لا تخف انا اعرف ما انا فاعل.

درونوفتسكي: لا تقدم على اية مخاطرة.

انجي: كف عن ازعاجي.

درونوفتسكي: إلى اللقاء.

(يغادر ماشيك وانجي, يبقى درونوفتسكي وهو ينظر باتجاه الشاشة.

كتيبة مشاة تتقد م اسفل الشارع. يظهر درونوفتسكي يجتاز الشارع, يراقب الجنود وهم يذهبون بعيدا . يعبر خلفه صف من العمال يحملون كراسي مريحة فوق رؤوسهم. يقترب درونوفنسكى من فندق مونوبول الذي تنساب منه موسيقى الحان راقصة.

الأضواء تشع متلألئة عبر الألواح الزجاجية للمدخل الرئيسي.

داخل قاعة الاستقبال في فندق مونوبول, والتى تستخدم ايضا كقاعة انتظار; يمر صف العمال الذين يحملون الكراسي عبر القاعة, يراقبهم البواب. يمر درونوفتسكي في اثرهم ويحييه البواب بانحناءة خفيفة عند الباب).

البواب: احتراماتي المتواضعة يا سيدي.

درونوفتسكي: مساء الخير.

(يدخل كوتوفيتش المطعم. سيد الطيف , طويل في متوسط العمر يلبس سترة خفيفة وقميصا ابيض وربطة عنق. يحيى درونوفنسكي بود ظاهر).

كوتوفيتش: من أرى? كيف حالك? ما الذي اتى بك إلى هنا?

درونوفتسكي: الواجب يا سيد كوتوفيتش.

كوتوفيتش: أتفهم. أعرف. الوليمة. هل تبحث عن السيد سلومكا.

درونوفتسكي: هذا صحيح.

(يشير كوتوفيتش إلى الباب المؤدي إلى قاعة الاحتفالات. يمر بين الرجلين نادل يحمل صينية. يمشى درونوفتسكي ببطء نحو باب قاعة الاحتفالات ليراقب الخدم وهم ي عد ون المائدة.

يقف ماشيك وانجي في الممر يجففان ايديهم بمنشفة. يدخل درونوفتسكي من احد الأبواب, ويمر بهما وهو في طريقه لملاقاة سلومكا دون اية اشارة توحي انه يعرفهما. ماشيك يصفر بنعومة. يتجاوز الرجلان الحمام بينما يخاطب درونوفنسكي سلومكا. الرجل الضخم القوي البنيان ذو الملامح القاسية).

درونوفتسكي: مساء الخير. كيف تسير الأمور.

سلومكا: مساء الخير. آمل ان يوافق المحافظ.

درونوفتسكي: المحافظ متحمس بشكل خاص بشأن الليلة.

سلومكا: يمكنني ان افهم ذلك. إنها نهاية الحرب. لحظة لات نسى.

(يشير باتجاه باب الحمام. بيوت الخلاء. مناسبة تماما . ي فتح باب الحمام. تخرج منه جورجيلوزكا, خادمة عجوز ضعيفة).

سلومكا: كيف حالك ياسيدة جورجيلوزكا?

جورجيلوزكا: حسنا , شكرا لله. كل شيء هادئ.

(درونوفتسكي وسلومكا يبتعدان, فتشيعهما المرأة العجوز بنظرة ريبة.

في غرفة الاحتفالات يقف سلومكا ودرونوفتسكي في المقدمة ينظران إلى مائدة طويلة صف ت عليها الاطباق. يجلس درونوفتسكي على رأس الطاولة مبديا إعجابه الواضح).

درونوفتسكي متظاهرا بعدم المبالاة: لا تبدو سيئة للوهلة الأولى.

سلومكا: اطمئن ياحضرة السكرتير, فلسوف تبدو افضل كثيرا عندما تأكلها.

(توقف ماشيك امام مرآة حائط كبيرة وهو يدفع شعره إلى الخلف فوق اذنيه).

ماشيك: انتظر!

(ينعكس في المرآة بار الفندق وقد وقفت خلفه فتاة شقراء جميلة تلفت انتباه ماشيك مباشرة. يلتحق به انجي).

ماشيك: انتظر. أليست جميلة? انظر?

انجي: (يتطل ع بحد ة في ارجاء المكان) اين?

(يقترب ماشيك وانجي نحو البار من الخلف - ماشيك بلهفة, انجي بلا اهتمام).

انجي: لا تقترب منها.

ماشيك: تعال , لنأخذ كأسا .

(يجلس الاثنان على المقاعد بجانب البار. ماشيك يركز نظراته على الشقراء كريستينا, بينما هي تمشي نحو آلة صنع القهوة وتفتح الصنبور).

ماشيك: مساء الخير. ماذا يمكننا ان نشرب?

كريستينا: سورب (3) فودكا? قديمة?

أنجي: رجاء اثنان صغيران دون اضافات.

(تسير كريستينا حتى آخر البار نحو ماشيك وانجي, تضع كأسين امامهما, ثم تتناول زجاجة من على نضد البار بالقرب من الزبون الوحيد الآخر والجالس امام البار, بيينياشيك.

تنحني كريستينا فوق كأس ماشيك لتص ب الفودكا, ولكن في اللحظة الأخيرة وبسرعة البرق يمسك هو بالكأس ويبعدها عن الزجاجة.

تدخل كريستينا اللعبة, وتنحني مرة ثانية فوق الكأس تحاول الوصول إليها بالزجاجة فيما تراقب ماشيك حتى لا يقوم بأى تحرك. يكرر مناورته لخطف الكأس بعيدا .

الدورة الثانية يراقب انجي اللعبة عن كثب بينما يبعد ماشيك الكأس عن الزجاجة. في نفس الوقت, يأخذ بيده الأخرى كأسا المانية بالية لخلط المشروب ويستبدله بالكأس الأخرى. يشير اليها بأصابعه مبي نا كمية المشروب التى يريدها ان تص بها في كأسه. تسكب كريستينا الفودكا في الكأس وهى تبتسم ابتسامة من يكاد يفهم الموضوع.

يخفف انجي قليلا من برودته بما يكفى ليتبادل ابتسامة مع ماشيك. تسكب كريستينا فودكا في كأس انجي وتمشي بعيدا .

يقف انجي وماشيك في الفسحة الأمامية مع بينياشيك في الخلف, والذي تظهر عليه آثار الشراب. تقترب منه كريستينا حاملة زجاجة, تملأ الكأس وتأخذ في الابتعاد, ولكن بينياشيك يدعوها للرجوع).

بينياشيك: آنسة كريستينا...

كريستينا: نعم سيدي?

ماشيك: كريستينا, اسم جميل.

انجي: تو قف عن التصرف كالأبله.

ماشيك: انا لا اتصرف كأبله.

(تعود كريستينا ويأخذ انجي رزمة من الأوراق المالية.

ماشيك لايزال ينظر إليها مبتسما , ولكنها تظهر عدم المبالاة).

انجي: اشرب ودعنا نذهب! يلتفت نحو كريستينا. إناءان كبيران بلا اضافات....

يترج ل عن كرسيه ويضع رزمة صغيرة من الاوراق النقدية على نضد البار. مع ذلك لا يبدو ماشيك راغبا في المغادرة.

ماشيك: لطيف, أعني البار وليس انت.

(تذهب كريستينا إلى صنبور البيرة وتبدأ في ملء كأس يظهر ماشيك ويقفل الصنبور. تفتحه كريستينا ثانية وتبدأ اللعبة).

ماشيك: إلى متى يفتح البار ابوابه?

كريستينا: نحن نغلق ابوابنا في الثالثة.

(زهرية صغيرة ملآى بالبنفسج موضوعة على النضد بالقرب من صنبور البيرة. يلتقطها ماشيك).

ماشيك: هل تحبين البنفسج?

كريستينا: (بسخرية شديدة) كثيرا جدا !

(يستنشق ماشيك البنفسج متظاهرا بنفس اسلوبها).

ماشيك: أنا أيضا !

انجي عن بعد: ماشيك!

(يوحي ماشيك بتعبيراته ان عليه ان يجر نفسه بعيدا فيضع البنفسج على سطح النضد وينصرف أخيرا . تحملق كريستينا فيه من الوراء بشعلة من الاهتمام).

(تقف فتاتان في الممر ترتبان شعريهما. يأتي انجي من خلفهما يفاجئه ماشيك فيما هو يستدير محملقا بهما).

ماشيك: هل رأيت ذلك?

انجي: ماذا?

ماشيك: هاتان الاثنتان. انهما كفتيات وارسو تقريبا . هل علينا ان نغادر?

انجي: إبق إذا كنت ترغب في ذلك.

ماشيك: سهل عليك ان تقول »إبق«.

انجي: لا أحد ينتظرك على ما اعتقد.

ماشيك: هذا هو الأمر بالضبط. لماذا ابقى إذا لم يكن احد ينتظرني?

انجي: لا أدري ماتقول.

(يضحك ماشيك فجأة).

ماشيك: ولا أنا أدري ايضا .

(يسيران بعيدا ).

(يدخل انجي إلى غرفة الهاتف تحت سلالم قاعة المدخل المؤدية إلى الفندق. يبقى ماشيك في الخارج. يبدأ انجي في ادارة قرص الهاتف ليطلب رقم ا ما).

(تملأ الشاشة بورتريها كبيرا لرجل يمتطى حصانا ابيض; انه يلبس بدلة لواء. يسمع جرس هاتف في مكان ما في الخلفية).

(عبر باب مفتوح نرى السيدة ستانييفتش تجلس وهي تحمل بطاقات ملء يدها. باقي المجموعة تختفي عن الانظار).

(خادمة عجوز تنظف سيفا عاريا وفي خلفية المشهد نرى بورتريها خاصا باللواء الفارس.

الخادمة: ربما يكون هذا هو السيد...).

(تتابع الخادمة تنظيف السيف بينما تنهض السيدة شنانييفيتش لترد على الهاتف).

(وفي طريقها إلى الهاتف تأخذ السيف من الخادمة دون تفكير وتضعه مع سيف آخر تحت صورة للسيدة المقدسة من شبسترشوفا).

تتكلم السيدة شتانييفتش في الهاتف: مرحبا ? السيدة شتانييفتش تتكلم: سوف اوصلك بهم. سامحني.

(تخرج السيدة شتانييفتش الهاتف من الفيش, تلتقطه وتحمله بعيدا إلى القاعة).

السيدة شتانييفتش تنادي: أيها اللواء هاتف لك.

(ي فتح الباب. وظهر امامه رجل اصلع يدعى فاجا يتناول السماعة. تتراجع السيدة شتانييفتش بلياقة).

يأخذ فاجا السماعة: مرحبا ? مرحبا ?

(يتكلم انجي في سماعة التلفون الموجودة في غرفة الهاتف. يظهر ماشيك في قاعة المدخل مسترخيا على مكتب الاستقبال).

انجي: انجي يتكلم. فقط لأخبرك بأن الموضوع قد تم بنجاح.

(سزوكا وبودجورتسكي يدخلان القاعة من الباب الرئيسى).

(يتوقف بودجورتسكي عند مكتب الاستقبال ويتكلم مع البواب الجالس وراء المكتب)

يتابع انجي: كل شيء على مايرام. ليس هنالك اية تعقيدات.

بودجورتسكي: مساء الخير. هل لديك غرفة للرفيق سزوكا?

محجوزة له من قبل قاعة المدينة?

(ماشيك اذهله الاسم, يرفع رأسه بسرعة, ويحد ق بالقادمين الجدد ويسير نحو غرفة الهاتف, تاركا جريدته خلفه).

البواب: حتما . كل شيء على مايرام لقد ح جز رقم ثمانية عشر في الطابق الأول.

(مازال انجي يتكلم في الهاتف. يظهر ماشيك خارج غرفة الهاتف وهو يقوم بإشارات يائسة لأنجي).

انجي متهيجا : نعم... نعم... نعم. انتظر لحظة.

(يقف فاجا عند الهاتف والبورتريه خلفه).

فاجا متحفزا : مرحبا ! مرحبا ! ... ماذا جرى لك? هل كان عليك ان تغادر المكان? دقيقة واحدة! انا لا أفهم. انت فشلت? نعم... نعم الأمر واضح الآن. لا نستطيع ان نفعل شيئا . حسنا , تعال إلى هنا. حالا .

(انجي وماشيك كلاهما الآن في غرفة الهاتف. يفتح ماشيك الباب ويخرج. يتباطأ خلفه انجي برهة من الزمن, ويلعب بسماعة الهاتف بعصبية. يملأ سزوكا ورقة البيانات عند مكتب الاستقبال. وعندما ينتهي يناولها إلى البواب. يظهر ماشيك مباشرة بجوار سزوكا).

البواب: شكرا

سزوكا: هل معك سجائر?

البواب: نعم سيدي, اميركية ام هنغارية?

سزوكا: لنأخذ الأمريكية.

(يمر انجي خلف سزوكا وينظر بسرعة باتجاه ماشيك, الذي بدأ في قراءة ورقته مرة ثانية وهو يتكئ على مكتب الاستقبال).

أنجي: انتظرني في البار. لن اتأخر.

ماشيك: حسنا . لقد انتظرت فيما مضى امورا اكبر بكثير.

(في هذه الاثناء وبعد ان حصل سزوكا على سجائره اخذ يتكلم مع البواب).

سزوكا: هل تعرف عائلة ستانييفتش?

البواب: أعرفها يا سيدي.

سزوكا: هل هم يعيشون في نفس المكان الذي كانوا يشغلونه قبل الحرب?

البواب: نعم سيدي. نفس المكان. مباشرة بعد الزاوية. ويشير باتجاه الشباك.

سزوكا: شكرا

البواب: هل اصلك بهم? انهم على الهاتف 12-14.

(يمز ق سزوكا علبة السجائر الجديدة ليفتحها ويأخذ واحدة منها. يشعل ماشيك عود ثقاب ويعطيه لسزوكا ليوحي له بأنه يريد سيجارة لنفسه. ي خرج الأخير سيجارته وينظر بسرور نحو الرجل الشاب. يعطي البواب سزوكا قطعة من الورق عليها نمرة الهاتفف).

سزوكا: شكرا .

(يأخذ مفاتيح غرفته وعصاه وحقيبة اوراقه ويستدير نحو بودجورتسكي).

سزوكا: قل لي ثانية ماهو موعد الوليمة? العاشرة?

بودجورتسكي: هذا صحيح. هنالك سيارة تحت امرتك.

(يخرج بودجورتسكي; يمشي سزوكا الذي يعرج قليلا نحو الدرج. يحملق ماشيك به قبل عودته إلى مكتب الاستقبال. ينحني ماشيك فوق المكتب وهو ينظف اسنانه بعود ثقاب).

البواب: هل استطيع مساعدتك?

ماشيك: علبة سجائر من فضلك.

البواب: امريكى ام هنغارى?

ماشيك: هنجاري. فهي أقوى.

(يأخذ ماشيك خمسين رزمة ورق بنكنوت ويضعها على المنضدة.

يبدو ماشيك في مقدمة المشهد والبواب يقف خلف المنضدة).

ماشيك: لا بأس. احتفظ بالباقي. هل تريد ان تدخ ن?

(ينحني ماشيك فوق المنضدة, وهو يحمل علبة سجائر).

البواب وقد لمع وجهه: قوية جدا . في مثل سن ي, كما تعلم, السعال...

ماشيك: اي سن? كم عمرك?

البواب: ستون. ستون وزيادة.

ماشيك: لا اعطيك خمسين عاما .

البواب: هل انت لوحدك?

ماشيك: في الوقت الراهن.

البواب: شقراء?

ماشيك: تقريبا .

البواب: صدقني تصعب الأمور جدا عندما نكون زوجين.

ماشيك: لايهم. فرد لوحده ينفع. كلما اقتربنا اكثر, كان الأمر افضل.

البواب: انت من وارسو أليس كذلك?

ماشيك: واي مكان غير ذلك?

(ينحنى البواب فوق المنضدة مبتسما . ماشيك في المقدمة يدير ظهره لنا).

البواب: انا من وارسو. كنت اعمل في السافوي. كما تعلم.

ماشيك: شارع ن وفي شفيات?

البواب: لمدة خمسة وعشرين عاما إلا شهرين. امتداد طويل أليس كذلك?

يحيى
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى